- - -

19 feb. 2009

الأعجمية الموريسكية

الحسين بوزينب
إن ما اصطلح على تسميته بالأدب الأعجمي الموركسي هو عبارة عن مجموعة مخطوطات عثر عليها صدفة في أكثر من مناسبة بعد إخفائها قديما في تجاويف جدران المنازل وبين السقوف وفي المغارات وكذا في مخابئ أخرى . إننا هنا أمام أدب هجين تمتزج فيه العربية والإسبانية في شتى المستويات بشكل لا أظن أنه عرف قبل هذا بين اللغة العربية ولغات أخرى ، وتمخض هذا المزيج عن نتاج معبر أيما تعبير وممثل أيما تمثيل لكيان أصحابه ولهويتهم الثقافية . فمع هذا الأدب نجد أنفسنا أمام كتابات إسبانية اللغة وعربية الخط تتخللها مصطلحات عربية إسلامية وتراكيب إسبانية معربة ، والكل محفوف بغطاء صوتي مورسكي يصعب نعته بالعربي أو بالإسباني . فهذه اللغة المورسكية تعكس بوفاء كبير شخصية مجموعة إنسانية متميزة داخل الجزيرة الإيبيرية أو جزيرة الأندلس كما كان يسميها المورسكيون . فهذه المجموعة كانت تشعر بخصوصية تجاه مواطنيها المسيحيين في إسبانيا وكذا اتجاه أولئك الذين مثلوا بشكل من الأشكال عنصرا عضويا في وجودهم . و أقصد بالخصوص العنصر البربري العربي الإفريقي الشمالي . فمع الأوائل كانوا يتقاسمون الأرض ( 1 ) وكانت العقيدة الإسلامية وجزء من الثقافة يجمعهم بالآخرين .
وكان هؤلاء المورسكيون يعتبرون أنفسهم من نبت الأندلس وبالتالي أصحابها الشرعيين . غير أن زمام الأمور قد فلتتت من أيديهم ولم تعد لهم قوة لاسترجاع ما ضاع . ولكن مع ذلك فإن أملهم ما زال معقودا لاسترداد مافقد . وفي هذا الصدد سنجد أن الدين الإسلامي بكل مكوناته من عقيدة وتقاليد و أعراف ... كان يمثل عنصرا حاسما لإذكاء الأمل في مستقبل كان يظهر لهم في صورة أفضل مما كان عليه حاضرهم . وكان الإسلام ، زيادة على ذلك ، يجسد عنصر الوحدة بين شتى الجماعات المورسكية .
إن الثقافة المورسكية التي كانت ملزمة بالنظر إلى داخل بيتها لإرضاء حاجيات أبنائها ، كانت مجبرة في نفس الوقت بالنظر إلى الخارج لتواجه خطرا مزدوجا يتمثل من جهة في تهجمات الثقافة التي تتربص بها الفرص للقضاء عليها و أقصد هنا الثقافة الإسبانية المسيحية ، ومن جهة أخرى في الموقف غير المكترث لكثير من المورسكين بسبب إنهزام هممهم وبرودة عاطفتهم الدينية ، الشيء الذي كان يؤدي في كثير من الأحيان إلى مغادرة صفوف الإسلام .
فبالنظر إذا إلى هذا الدور المتشعب للثقافة الموريسكية ، حاولنا إيجازها إجماليا في جوانب ثلاثة هي : التثقيف أو التعليم والدفاع والترفيه .
1 - إن الجانب التثقيفي يتميز بسمات الحقبة التي قدر لهذه الثقافة أن تعيشها وسط وضع مطبوع بالممنوعات وبالترصد للقضاء عليها . إن الخطر كان موجها بالدرجة الأولى إلى العنصر الأكثر حيوية في المجتمع المورسكي أي العقيدة الإسلامية . لهذا نجد أن كتب القرآن والحديث وباقي الكتب المخصصة لتعليم الإسلام التي يحتفظ بها اليوم عدة خزانات إسبانية وغير إسبانية كانت تركز اهتمامها في الجوانب الأساسية التي كانت تتطلب الصيانة والإنقاد . إنه لذا دلالة كبرى أن نجد كتابا قرآنيا كذلك الموجود في الخزانة الوطنية بمدريد تحت الرقم 5078 يحتوي فقط على بعض الآيات من سور
( 2 )مختلفة تظهر لأول وهلة وكأنها جمعت بطريقة عشوائية خصوصا
وأن الكتاب خال من كل تقديم أو تعليق . ولكن تحليل مضمون هذه الآيات يبين لنا أن جمعها قد خضع لاختيار دقيق تبعته بعد ذلك ترجمتها إلى الأعجمية بهذف تعليمي محض لغرس العقيدة الإسلامية ، آخدين بعين الإعتبار الوضعية التي كان يعيشها المورسكيون بسبب الملاحقة والاضطهاد من قبل محاكم التفتيش المسيحية . ومن أجل توضيح ماذكرناه سابقا نقدم فيما يلي بعض النماذج التي لا تحتاج إلى تعليق لتوضيح ما قلناه آنفا :
إن هذا المخطوط الذي فقد بعض أوراقه الأولى يبتدئ بالآية 163 من سورة البقرة :
] وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم [ .
وتتبعها الآيات 255 ، 256 ، 257 من نفس السورة :
] الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما في السموات والأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يئوده حفظهما وهو العلي العظيم [ .
] لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها والله سميع عليم [ .
] الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجهم من النور إلى الظلمات أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون [.
ويقفز بعد ذلك إلى الآيات 284 ، 285 ، 286 .
] لله ما في السموات وما في الأرض و إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير [ .
] آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمومنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا و إليك المصير[ .
] لا يكلف الله نفسا إلا وسعها لها ما كسبت وعليها ماكتسبت ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا ربنا ولا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين [ .
فمما يمكن ملاحظته من خلال قراءة هذه الآيات أن مواضيعها هي تلك التي تكون الشغل الشاغل للمورسكين أي :
- وحدانية الإله وبالتالي الرفض التام للإشرا ك الذي يمكن بالنسبة للمورسكيين في عقيدة الثالوث المسيحي المقدس
( 3 ) .
- تسامح الإسلام الذي يقابله التشدد الذي عاملتهم ببه السلطات المسيحية وبالخصوص محاكم التفتيش الكاثوليكية .
- التشبث بالإسلام وهو النور الذي يضيء به الإله المومنين الذين لا يزيغون عن الطريق السوي .
- قيمة الإيمان في الإسلام .
- الانتصار على الكفار ( أي المسيحيين ) .
وبقية المخطوط تسير في نفس الاتجاه مع المشاغل الرئيسية للمورسكين .
وفيما يرجع إلى كتب الحديث
( 4 ) فإنها تعكس نفس المشاغل التي وجدناها في كتب القرآن . وقد أبرز الأستاذ عبد الجليل التميمي( 5 ) تشبث المورسكيين بالهوية الإسلامية باستنادهم
إلى الحديث النبوي . وقد اعتمد على مخطوطين من خزانة ميغايل أسين بمدريد
( 6 ) لإظهار هذا التشبث . " فقراءة هذين المخطوطين ، يقول التميمي ، الذين يكملان بعضهما البعض (أحدهما مترجم إلى العجمية ) لم يكن يعطي للمورسكيين المضطهدين حماية وسلاما فحسب ، بل كان بالنسبة إليهم كمشغل أمل يمكن أن يعيد إليهم الثقة من جديد ويوطد بينهم روابط الجماعة ويزودهم بالقوة من أجل التضحية والقتال " ( 7 ) . وفي مايلي بعض هذه الأحاديث ( 8 ): - " أفضل جهد المومن القتال باسم الله "
- " من أخذ منه متاع فهو شهيد "
- " من صلى في دين غير الإسلام فهو كاذب "
- " العمائم تيجان العرب "
- " من أحب العرب أحببته ومن أبغضهم أبغضته "
- " المسلم لا يرث الكافر والكافر لا يرث المسلم . لا تنصلوا من آبائكم فلا يتنصل إلا الكافرون "
- " من غادر الجماعة مات موت الكفار"
- " الثقة بالمستقبل تزيل القلق والحزن "
- " بدأ الدين غريبا وينتهي غريبا . طوبى للغرباء "
- " إن الله إذا أراد خيرا لأمة ، ابتلاها " .
- ... إلخ .
إن اختيار هذه النمادج لم يكن مجانيا كما لا حظنا من خلال قراءتها . والأمثلة من هذا القبيل موجودة بكثرة .
ولدينا مخطوط آخر وهو الحامل للرقم 5267 في الخزانة الوطنية بمدريد ، يتضمن كثيرا من النصوص التي وجدناها في تنبيه الغافلين للسمرقندي وهو كتاب تداوله المورسكيون بكثرة وترجموه إلى عجميتهم . وقد وجدنا كذلك أحاديث أخرى وردت في البخاري ومسلم ومالك ...إلخ . و أحاديث لم نستطع العثور على أصولها العربية إلى حد الآن . ولكن رغم تعدد مصادر الكتاب فإن الغلبة تبقى للسمرقندي وقد لا حظنا فيما يرجع إلى النصوص الواردة في السمرقندي أنها لا تتبع نفس تسلسل مخطوطنا بل توجد مبعثبرة عبره . فمثلا مخطوطنا يبتدئ بحديث يوجد في الصحفة 154 من نسخة " تنبيبه الغافلين "
( 9 ) التي استعملناها والمتداولة اليوم في السوق . وبعد ذلك يأتي حديث آخر نجده في الصفحة 83 ثم آخر الصفحة 157 ويتبعه آخر في الصفحة 159 وبعدئد نجد حديثا آخر في الصفحة 147 ثم آخر في الصفحة 8 ... إلخ وتتخلل هذه الأحاديث في مخطوطنا أحاديث عثرنا عليها في البخاري ومسلم ... إلخ .
إن هذه الطريقة التي سلكت في نسج هذا المخطوط والتي اعتمدت عدة مصادر لتذكرنا بكيفية تحضير الدروس لدى الأساتذة . لهذا أتساءل : ألم يكن لهذه المخطوطات الأعجمية المورسكية دور تعليمي كما لدروسنا في الوقت الحاضر ؟ إن هذه المنهجية الكامنة في صهر أقسام متعددة من مصادر مختلفة تطبع الأدب الأعجمي الموريسكي بااعتباره أدبا تقليديا ، وتجد مبررها هنا في الحاجة الماسة لتقديم تعليم خاص تمليه ظروف تاريخية خاصة كذلك .
2 - والمظهر الثاني للأدب الأعجمي المورسكي في التقسيم المقترح سابقا يكمن في الدفاع عن الإسلام أمام المسيحية . ويتمثل بالخصوص في تلك الكتابات التي تقدم لنا الجدال الديني بين المسلمين والمسيحيين حول حقيقة العقيدتين . وقد ألف الأستاذ لوي كاردياك من
جامعة مونبلي بفرنسا كتابا
( 10 ) شيقا حول هذا الموضوع جمع فيه وعلق على العديد من النصوص التي كتبت في الجدال الديني الذي دشن قبل المورسكيين بكثير ( 11 ) . غير أن هؤلاء وجدوا فيه جهازا للدفاع عن هويتهم الثقافية .
لقد كانت نصوص الجدال الديني موجهة في نفس الوقت للمسلمين وللمسيحيين . فرسالتهم بالنسبة للمسلمين كانت رسالة تلقينية وتثقيفية . بينما كانت تتوخى بالنسبة للمسيحيين البرهان على أفضلية الدين الإسلامي وتفوقه على المسيحية المتبعة من قبلهم .
إن المخطوطات التي تطرقت إلى موضوع الجدال الديني مع المسيحيين قليلة جدا بالمقارنة مع تلك التي تجمع الحكايات والسير والقرآن والنصوص الفقهية وما إلى ذلك من المواضيع التي تطرق لها المورسكيون . ولكن في الحقيقة يمكن اعتبار الأدب الأعجمي الموريسكي في حد ذاته مجادلة ضد المسيحيين . إنها مجدلة تظهر في مضمون الكتابات وتمتد لتشمل كذلك هذه الكتابات . ففي مناسبة سالفة
( 12 ) تكلمنا عن كيفية تحكم الدين الإسلامي في لغة المورسكيين وخضوع مختلف المصطلحات الإسلامية إلى قصدية تحاشي المغالطة مع المقابلات المسيحية . لهذا نجد أن لفظة الإسبانية Dios ولا الصلاة ب Oracion ولا الإمام ب Sacerdote ... إلخ لأن الإسبانية في ذهنية المورسكين لغة المسيحية كما أن العربية لغة وحتى في اللباس ، فيقول أحدهم: " لا تستعمل عبارات وتقاليد المسيحيين ولا لباسهم ولا تتشبه بهم ولا بالمذنبين الأشرار والجهنميين . عليك بالحفاظ على أقوال وعقائد و أعراف وتقاليد ولباس ذلك النبي السعيد
محمد rوصحابته فمن أجل العناية الإلاهية العليا أعطى هذه النعمة العليا "
( 13 ) .
إذا أردنا أن نصف الخطاب الموريسكي باستعمال المصطلحات السياسية الحديثة فسيمكننا أن نقول أن هذا الخطاب خطاب " ملتزم " و " مناضل " حيث نجد أن لكل كلمة دلالة الالتزام ولا تستعمل جملة إلا بقصدية معينة يمكن أن ننعتها اليوم بالسياسة .
وبالإضافة إلى اللغة ، فإن شتى حركات وتصرفات النبي محمد rتمثل بالنسبة للمسلمين رموزا يقتادون بها ويجعلونها في سلوكهم اليومي .
هكذا نجد إذا مواضيع الجدال متعددة بين الموركسيين والمسيحيين . ويأتي في الدرجة الأول موضوع الثالوث المقدس وهي عقيدة لم تكن أبدا لتحظى بالقبول والفهم من لدن المورسكيين عندما كان يعرض عليهم الدين المسيحي
( 14 ) ، وهذا ليس بغريب أن يحدث مع أتباع ديانة لا تقبل بأي وجه من الوجوه إشراكا مع الإله الواحد الأحد مهما كانت طبيعة هذا الإشراك ، وتعد المشركين بأقسى العقاب . زيادة على هذه فالمورسكي لم يكن منطقه يستطيع أن يستوعب " وجود ثلاثة آلهة وهذه الآلهة الثلاثة تكون شيئا واحدا وهذا الشيء الواحد ثلاثة أشياء ، فهذا يتناقض مع العقل والإدراك " كما يقول موريسكي التجأ إلى تونس بعد تهجيره من إسبانيا " ( 15 ) .
وهناك نقطة جدال ثانية بين المورسكيين والمسيحيين تكمن في هوية المسيح ، وهو نبي يقدسه الطرفان . وبطبيعة الحال ففي هذا الموضوع نجد المورسكيين يتبنون ويدافعون على الوجهة الإسلامية
( 16 ) التي تعتبر المسيح ابن مريم ( عيسى ابن مريم ) نبي الله أي رسول . بينما نجد المسيحيين يعتبرونه ابن الله . والمورسكيون كانوا يرفضون فكرة تجسيد الإله في الإنسان بحيث كانوا يعتبرون هذا مناقضا تماما لطبيعة الإله ويرفضون كذلك مسألة صلب المسيح.
ومن ناحية أخرى نجد الكنيسة موضع جدال عندما " وجد فيها المورسكيون مؤسسة شرعوية متمسكة بالشكليات ومن وضع الإنسان ، تحاول أن ترتكز على الإنجيل ، بينما نجد أن تنظيمها ومبادئها الأساسية قد خلقتها بنفسها . والكنيسة قد حورت الإنجيل حسب مبتغاها كما غيرت ماكان متعرفا عليه "
( 17 ) .
ونجد أحيانا أخرى أن الجدال بين المسلمين والمسيحين لا يتخذ عقيدة ما كمنطلق و إنما يتموقع في مجال شرح الألغاز وكشف الأشياء الباطنية بغرض إبراز تفوق دين على آخر كما هو الحال في " حديث شرجيل ابن شرجون "
( 18 ) حيث نجد أن هذا الشخص وهو " مسيحي أتى من بلاد الشام لم يعرف اسمه أبدا وكان من أقوى المدافعين على الدنيا ، صاحبه خمسون من رؤساء الأديرة أو الرهبان " ( 19 ) . توجه إلى أبي بكر " بأسئلة معاكسة ( قال ) وجدتها في كتابات لوالدي ولجدي . فإن أنت أظهرتها أمامي كما هي عندنا سنعرف أن محمدا نبي ورسول و أن دين الإسلام دين الحق وغيره لا شيء " ( 20 ) .
إن الأجوبة على تساؤلات هذا المسيحي سيقدمها علي بن أبي طالب وليس أبو بكر أي سيقدمها الشخص المقلد بالقدرات الخارقة للعادة بين الشيعة والذي كان بالتالي يستطيع اكتشاف الأسرار والخفايا . فبهذا نجد أن اسم أبي بكر وهو رجل يرمز إلى إجماع المسلمين السياسي قد ترك جانبا ، هكذا إذا نجد عليا يجيب على كل الأسئلة المطروحة ك : " ما هو قصدي لما خرجت من أرض الشام ؟ ولماذا أتيت هنا ؟ واشرح لي معنى " والضاريات ضروا "؟ وماذا يقول الديك في قوقه والكلب في عوائه والحمار في نهيقه ...؟ " زيادة على كشف اسم شرجيل ابن شرجون الذي لم يكن أحد يعرفه دون صاحبه .
3 - فيما يرجع إلى الجانب الترفيهي في الأدب الأعجمي فسنراه يتجلى بالخصوص في مجموعة من الروايات والقصص والحكايات المترجمة من العربية أو أحيانا من الإسبانية
( 21 ) . إن هذه الكتابات التي كانت تمثل متعة للمورسكين جسدت كذلك ملجأ ثقافيا كان ينقلهم إلى المحيط الثقافي العربي الإسلامي الذي كانوا يشعرون بارتباط قوي نحوه وكانت وسيلة تمرر عبرها التعاليم الدينية والأخلاقية الإسلامية .
وكنموذج من الرواية الترفيهية الصرف يمكن أن نعتبر قصة حب باريس وبيانا
( 22 ) التي تحكي غرام ابنة خليفة فرنسا بيانا والفارس النبيل باريس . إننا هنا أمام قصة فروسية مليئة بالمبارزات والمغامرات تتوسطها عملية عاطفية نموذجية . إنها لحكاية كلاسيكية لحب ثابت ومطارد تتخللها ذكريات الحروب الصليبية المعتادة والسفر اللازم إلى الشرق.
لقد اعتبرنا هذه الرواية رواية ترفيهية صرف لأن العناصر الإسلامية التي تعالج عادة في الأدب الأعجمي سنجدها تختفي هنا . فمع قصة حب باريس وبيانا نحن أمام رواية فرسانية غربية نموذجية حيث المبارزات والمغامرات والحب المطارد ... إلخ تكون ثوابت الرواية ، بينما نجد أن موضوع الإسلام الذي لا يظهر إلا نادرا لا يحتل إلا مكانا جانبيا وهو خال من المواصفات التي تطبعه في الأدب الأعجمي الموريسكي فالفرصة الوحيدة التي يرد فيها الكلام عن المسلمين بطريقة مباشرة في الرواية هي حين سيذهب باريس لإنقاذ الخليفة ويخدع حراس السجن الذين كانوا قد سمحوا له أن يتكلم مع الخليفة . فقد قال لهم :
" - أيها السادة ، إنكم قد أدخلتم علي السرور كبيرا بعدما تركتموني أقابل هذا الرجل. غدا سأذهب في حال سبيلي و أريد أن أقضي ليلة مرحة معكم . فقد قدم لهم طعاما بكثرة وخمرا جيدا بوفرة ، وما أن غلب عليهم النوم حتى سقط الجميع في السكر . فبالنوم
والسكر بدا الجميع وكأنهم موتى . وبعدئد أخد باريس مفاتيح السجن منهم ففتح الأبواب ..." ، ( ص . 207 ) .
فكما لاحظنا من خلال هذا النص فإن المورسكي الذي ترجمه لم يستعمل مقص رقابته مع هذه الفقرة التي تقدم صورة سلبية بعض الشيء عن المسلمين ، كما لم يستعمله مع فقرات أخرى تظهر بطريقة غير مباشرة كراهية الخليفة للإسلام ، عندما قال : مشيرا لباريس .
" فإذا أخرجني من هذا السجن سأجعله سيدا على منطقة خلافتي بأكملها وذلك فقط لأموت في أرض المسيحيين " ، ( ص . 206 ) .
ولكن مع ذلك فإننا سنراه أحيانا أخرى يتدخل لتلافي بعض العبارات المسيحية التي لم يكن المورسكي يستصيغها ، فهذه العبارات سنجدها في كل من الترجمتين الإسبانية والكطلانية وتغيب في الأعجمية :
الترجمة الإسبانية
الترجمة الكطلانية
الترجمة الأعجمية
قولوا له أن لا يكون لديه شك
فإنني مستعد للقسم على جسم المسيح ( ص . 29 )
يجب أن يخامره شك فإنني مسرور لأقسم على جسم المسيح الطيب ( ص . 29 )
قولوا له أن لايكون لديه شك فإنني سأقسم ( ص . 37 )
وأرجع الراهب هذا الجواب إلى باريس . ثم أمر بتقديس جسم المسيح ( ص . 29 )
و أرجع الجواب إلى باريس ثم قدس الراهب جسم المسيح الطيب ( ص . 29 )
ثم أرجع الراهب هذا الجواب لباريس ( ص . 37 )
وهناك أقسم الخليفة أنه سيقوم بإنجاز كل الأشياء التي سيطلبها منه . وكبرهان على المودة تقبل ذلك القربان المقدس
( ص . 29 )
و أقسم الخليفة على جسم المسيح المقدس أنه سيقوم بإنجاز كل الأشياء التي يريدها باريس.وكبرهان على العهد والصداقة تقبل القربان
( ص .29 )
وهناك أقسم الخلبفة بأنه سيفعل كل ما سيأمره كبرهان على المودة ( ص . 37 )
إن هذه التساهلات والرقابات المحتشمة تنم على أن الأسبقية هنا قد منحت للترفيه قبل أي اعتبار آخر . والترفيه في هذه الحالة كان بالأدب المسيحي الذي لم يكن المورسكيون غرباء عنه.فمؤلف المخطوط
(23) s 2 الذي وصفه خيما اليبار أسين بعبارة " المعجب بلبا " ( أي بالأديب والروائي والمسرحي والشاعر لبا ذا باغ ) لنموذج معبر جدا عن النفوذية الثقافية بين الشطرين المسيحي والمورسكي . إن هذا المورسكي الذي يظهر معرفة واسعة بشعر لبا ذا باغ والذي كان يتذوق كذلك غنائية غرثلس ذا لباغ حيث كان معجبا به ، والذي استطاع أن يبرز العمق الأخلاقي والنقدي في قسم من الرمنثار(24) الإسباني ربما كان يمثل نموذج المورسكي المثقف والمنفتح على الأدب الإسباني المسيحي الذي كان يعيش قرنه الذهبي ، والمتذوق للمسرح والفن الإسبانيين(25) .
ولدينا من ناحية أخرى مجموعة من القصص الخرافية والحكايات التي ظهرت في الوسط الثقافي العربي مع بداية الإسلام ، استعملها المرسكيون كأدب ترفيهي بعد ترجمتها إلى الأعجمية.
إن هذا الصنف من القراءات الموريسكية المتوفرة لدينا بأعداد أكبر من الصنف السابق ، كانت لها مهمة مزدوجة . فمن جهة كانت تمتع المورسكيين ببطولات ومغامرات فضائية أو بقصة حب ممنوع أو قصة تعس يتأمل عبد سفر خيالي مشاهد الحب والسعادة ... إلخ . ومن جهة أخرى كانت عبارة عن أرضية لتقديم مجموعة من التعاليم الدينية والأخلاقية والتاريخية الإسلامية للمورسكيين وفرصة لاسترجاع أمجاد الإسلام الماضية وكذا قصص الأنبياء قبل الإسلام .
" كتاب المعارك " الذي حققه الأستاذ البرغلماس دا فوانتاس
( 26 ) عددا من الروايات تدور حول المعارك التي كرست الانتصارات الإسلامية الأولى ومكنت هذه الديانة من إخضاع "الكفار " و إرساء قواعدها . إن هذه الروايات التي تتوفر على قاعدة تاريخية واقعية تقدم الأشياء بشكل خيالي ومبالغ فيه يجعل منها خرافات خارقة للعادة ليس لها من التاريخ سوى أسماء بعض أبطالها وتصميم مصغر للأحداث المروية . إن المبالغ المشار إليها سابقا تجد شرحها في السمو الذي خص به الشيعة شخصية علي بن أبي طالب ، البطل الذي ينفرد تقريبا بالدور الأول في هذه الروايات ، الزعيم غير المنازع لهذا المذهب المضطهد بشدة من قبل الأمويين ثم العباسيين .
إن تداول هذه الروايات بين المورسكيين ، وهم مالكيي المذهب ، لا يمكن أن يبرر بتبعية مذهبية و إنما سيجد شرحه في إرث ثقلفي إسلامي مشترك احتمى فيه المورسكيون من الاضطهاد الممارس عليهم من قبل محاكم التفتيش الكاثوليكية وفي عودة إلى زمن أمجاد الإسلام الذي لا يقهر .
ومن العناوين التي نصادفها في " كتاب المعارك " حيث يبرز علي بمؤهلاته الخارقة للعادة " معركة الأشيب بن حنقر "
( 27 ) التي يتدخل فيها علي بن أبي طالب ، كعادته ، عندما يحذق الخطر بالمسلمين أو يهزمهم أعداؤهم . ففي الحالة التي بين يدينا نجد أن المسلمين عندما اقتربوا من حسم المعركة لصالحهم ، يتدخل رجل مسن من زمرة الأشيب وينصح هذا الأخير بإرسال مبعوث إلى محمد ليدعوه إلى عراك مع صنمهم ويوعده بالدخول إلى الإسلام إذا هزمه ، وقد تولى الشيخ إيصال الكتاب شخصيا لمحمد حيث خاطبه بما يلي :
" يا رسول الله . يقول لك الأشيب أن تبعث عليا ليبارز صنمنا . فإذا هزمه سنومن بالله ربنا وسنتخدك رسولا ونبيا صادقا .
وبعدما استمع إليه النبي r توجه نحو علي فقال له : مارأيك يا علي في هذا الأمر؟
- إنني ذاهب يارسول الله ولو كان هناك من الجان الكثير . فسار علي على رأس ألف فارس وقال له النبي r :
- إذهب ياعلي فكسره وفتته فإن الله سيعينك عليه .
فسار علي وامتثل أوامر النبي r . وبعد ذلك خرج الأشيب إلى ضواحي المدينة و أمر بإحضار الصنم فأحضر . وها هو علي يأتي ومعه ألف فارس وعندما اقتربوا من الصنم إذ بالشياطين يحيطون به حتى علت سحابة من الغبار وتكدرت الأرض وخرجت جموع غفيرة من الشياطين والجان . ولما رأى الصحابة المرافقين لعلي تلك الجموع الغفيرة هربوا عن آخرهم وتركوا عليا وحده . فلما رأى علي ذلك نزل من فرسه وقال :
- أنا علي، الفارس المعزز في كل مكان ، الصارم والمنتصر بعون الله ربي . ياقوم الجان؟هيا ، أثبتوا أمامي وذوقوا العذاب حتى تروا ما سألحقه بكم .
فهاجم الجان وحاربهم طويلا حتى هزمهم ففروا عن بكرة أبيهم ولم يبق جن منهم أمام علي .
ثم تقدم علي نحو الصنم فأسقطه على الأرض وبرجليه ركله وبذي الفقار سيفه قطعه وفتته حتى لم يبق منه شيء . ولما رأى الأشيب مافعل علي بالصنم دخل الإسلام بين يدي علي كما دخله قومه وفرسانه وأبناء عمومته ( صص 255 - 256 ) "
ومن الحكايات ذات العمق الأخلاقي والمحتوية على تعاليم إسلامية ، لدينا مثلا " حديث العربي والجارية "
( 28 ) التي تحكي القصة التي يشير إليها القرآن في الآيتين 8 و 9 من سورة التكوير : ] و إذا الموءودة سئلت بأي ذنب قتلت [ والتي تتعلق بفتاة موءودة بسبب تهجمها على معتقدات والديها والإيمان بالله . فقد قالت لأبيها :
" يا أبتاه ؟ إنك تعيش في الخطإ وفي الكذب لأن صنم اللاة والعزى لا يملك قوة ولا علما ، لا ينفع ولا يضر ولا يحمي ، يا أبتاه ؟ إن ربي ورب أمي وربك أنت ورب الصنم
الأكبر هو الله الذي خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وكل الأشياء " .
و أمام هذا النجم أشارت الأم على أب الفتاة بقولها :
" خد تلك الفتاة بين يديك واذهب بها إلى الأرض خلاء فاذبحها و آت لي بقلبها وكبدها قبل أن تفسد علينا ديننا " .
وبعدما قام الأب بما أشارت به عليه زوجته و أراد أن يعود إلى منزله إذ بنار حامية تشتعل حوله بلهيبها المهول ، ما كان ليفلته منها إلا دخوله الإسلام . لهذا قرر الدخول في الإسلام . وبذلك انطفأت النار . وبعدئد ذهب ليعلن إسلامه أمام محمد ويحكي له ما جرى له مع ابنته . وسيذهب النبي والصحابة إلى المكان الذي دفنت فيه الفتاة و بإذن الله ستبعث من جديد . سيسأل النبي الفتاة مسامحة أبيها ، وسيكون جوابها الرفض ما دام لم يؤمن صادقا بالله وبمحمد . وسيخبرها الرسول بأنه قد فعل ذلك ، فتسامحه . ثم سيضع الرسول أمامها اختيار البقاء مع أبيها في الدنيا ، لكن جوابها كان : " لن أبدل الجنة بمتاع الدنيا " .
وهنالك حكاية أخرى تطرقت إلى موضوع الخلاف بين أب وابنته بسبب الإيمان ، وهي " الجارية أركين "
( 29 ) .
إن هذه الفتاة هي ابنة ملك اسمه الجفر وكان يعبد صنما من الذهب . وكانت هذه الفتاة قذ طلبت من أبيها أن يعبد الله الأحد ويتخلى عن عبادة الأصنام فجازاها بقطع يديها ونفيها إلى غاية كثيفة ومخيفة .
إن التناقض في العقيدة ليس هو نقطة الاختلاف الوحيدة بين الأب وابنته في هذه الحكاية بل هناك جانب آخر مفجع أكثر من الأول ويكمن في نوايا الأب في ارتكاب المحارم تجاه ابنته:
" كانت الفتاة وسيمة وجميلة جدا . ولما بلغت سن الرشد عشقها الملك أبوها وطلب حبها . ولقد أدركت هذه الفتاة العفيفة والمحتشمة باندهاش أن كل ملاطفات أبيها وحبه كانوا خارج نطاق المشاعر الأبوية وتحكمهم نية الفسق " ( ص . 5 ) .
فما رأيناه من بتر ليدي الفتاة ونفيها كان إذا لعدم رضوخها لنوايا والدها الفاسق وليس فقط بسبب الاختلاف حول العقيدة .
هكذا إذا وبعد نفيها إلى الغابة سنرى أن مأساة أركين ستخفف بظهور ظبية بيضاء ستقودها إلى " مغارة جميلة الصنع " وستوفر لها الطعام فكانت تطعمها بفمها وتلحس بلسانها مكان قطع يديها حتى شفيت من الجرح . وبعد هذا سيأتي أمير أنطركية الذي سيغرم بأركين التي سيتزوجها بعد ذلك . ولكن والدة الأمير سوف لا ترضى على هذا الزواج وستستغل فرصة خروج ابنها إلى الحرب لتأمر خدامها بإرجاع أركين إلى الغاية التي كانت بها سابقا . وهناك في الغابة ستستعيد يديها بعد استجابه الإله لتضرعها إليه . و إثر عودة الأمير من الحرب قالت له أمه أن أركين بمجرد ذهابه إلى الحرب غادرت القصر وحملت معها ابنها هاربة إلى الغابة . فبعد كل ما فعلته لا داعي إذا ليشغل باله بها . ولكن الأمير الذي لم يصدق ماقالته أمه ، خرج باحثا عن أركين وعن ابنه . وعندما وجدها اندهش بالسعادة لما رأى أن يديها قد كبرت من جديد . وهكذا رجع بهما إلى القصر الملكي ليعيشوا هناك معا ، بينما ذهبت الأم لتعيش في قصر جميل في مكان آخر . وبعد ذلك سيقوم الأمير بحملة ضد الملك الجعفر والد أركين الذي سيهزمه بسهولة وسيقضي على وثنيته العنيدة . و أخيرا تجدر الإشارة إلى أن أركين لا تألو من ذكر الله في لحظات الحزن أو الفرح وذلك مرددة عبارة " ليله يلا الله " ( لا إله إلا الله ) .
ومن الحكايات التي تتضمن مرجعيات إسلامية بصفتها من الخصوصيات الثابتة في معظم النصوص الأعجمية المورسكية يمكن الإشارة إلى قصة " تميم الداري " . و إذا تركنا جانبا تلك المرجعية الإسلامية الثابتة فالقصة قد تستهوينا باعتبارها نمودجا رائدا لما يسمى اليوم بأدب الخيال العلمي وبسبقها في هذا الميدان الذي يجلب إليه العديد من محبي المغامرات الفضائية و أسفار سكان الأجرام الأخرى .
وقصة " تميم الداري " نذكرنا بسناريو فيلم سبيلبارغ الأمريكي " لقاءات من النوع الثالث "
أو بالعكس ، الفيلم يذكرنا بقصة تميم الداري . فقصتنا تروي احتجاز شخص واختطافه من باب منزله والذهاب به إلى الأجواء العليا فوق كائن يطير ، وبعد وقت معين سيرجع هذا الشخص إلى المكان الذي اختطف منه بالضبط ، وكل ذلك كما سيحدث في الفيلم الأمريكي بعد قرون طويلة .
إن المورسكيين عندما ترجموا هذه القصة لم تكن نيتهم هي الترفيه بقصة عربية خيالية فحسب ، بل كانوا يتوخون كذلك تماثل واقعهم المعاش وغبر إبرازه رمزيا من خلال قصة رجل أرغم بدوره على مبارحة أرضه ودينه قسرا لا لشيء إلا لعقيدته أو لأفكاره كما نقول اليوم . لا ننسى أن المورسكيين كانوت محط اضطهاد وتهجير وتعديب وتقتيل من قبل خصومهم في العقيدة . ولهذا نؤكد على الجانب الرمزي في قراءة النصوص الأعجمية المورسكية بإحضاره دائما .
لقد حاولنا التطرق إلى بعض الجوانب من الثقافة الموريسكية من خلال نمادج من كتاباتهم التي استطاعت أن تفلت من رقابة محاكم التفتيش لتصل إلينا وتأتمننا على تاريخ وفكر أصحابها . فلو طلب منا اليوم أن نحكم على هذه الثقافة أو نصنفها لوضعها شرطا مسبقا لذلك وقضينا بترك المصطلحات التقييمية التي تنظر إلى الأشياء نظرة عمودية لأن هم الثقافة المورسكية لم يكن في " النمو" بل في "البقاء" . لهذا يجب أن تبعد عليها نعوت مثل "منحطة"
(30) و"فقيرة"... الخ. إنني أظن أن ما يجب مساءلة الثقافة الموريسكية حوله هو مدى توفقها في الحفاظ على الهوية الإسلامية لتلك الجماعة التي لم تكن تركن أبدا إلى راحة العيش في ظل خصوصيتها وكانت تعيش وشح المطاردة وراءها، مطاردة عقيدة لم تقنعها فلم تقبلها. إن هذه الثقافة لن تجيبنا أبدا عما طرحناه عليها من سؤال، بل سيكتفي بإحالتنا على قرار وتنفيذ تهجير المجتمع المورسكي لنعتبره جوابا إذا كنا نلح على الجواب.
فإذا كان حكمنا سيسير وفق هذا المعيار الأخير، فإننا سنرى أن الثقافة المورسكية قد استطاعت رغم هشاشة الوسائل التي كانت تتوفر عليها، في وسط كله عداء وفي جو لا هواء تتنفسه فيه، أن تؤدي رسالتها. فلم تكن تهمها جودة المنتوج الثقافي بقدر ما كان يهمها وجود هذا المنتوج ماديا. فلم تكن تهم جودة التعاليم التي كان تقدم للمورسكيين بقدر ما كان يهم تلقينها الفعلي. ففي هذا الصدد يقول المؤرخ الفرنسي برنار فانسان
(31) : "كان يوجد في منطقة ساغربا سنة 1505 ثلاثة فقهاء يعلمون السكان على وتيرة اجتماع أسبوعي واحد.
وقد كان هذا النشاط فعالا رغم خفيته. ولكن، إلى أي حد يمكن أن نعتبر هذا كافيا للحفاظ على الإسلام في جميع أبعاده ؟ ففي الواقع سنجد أن الانتهازية التي تمثلها التقية كانت تؤدي إلى اختيار بين الرموز الخارجية للإنتساب إلى الإسلام.
فمن أجل الحفاظ على الأهم، كانت تترك بعض هذه الرموز جزئيا أو كليا".
"الحفاظ على الأهم"، هذا هو بالضبط ما كان يسعى المورسكيون لصيانته لأنهم كانوا يومنون بالتحرر يوما ما من قبضة المسيحيين واسترجاع زمام أمورهم. ولم تكن تعوزهم التنبؤات التي كانت تعلن عن قرب عتقهم بفضل تدخل الأتراك : "فالله سيحرك قلوب ملوك المسلمين وسيكون رئيسهم هو التركي الذي سينزل من أتباعه في البحر ما لا يعد ولا يحصى. وأول شيء سيعود إلى دين الإسلام هي جزيرة صقلية وستبعها جزيرة الزيتونة وهي ميرقة ثم جزيرة الملح وهي اليابسة (...) ويقول إن المسلمين سيريحون جزيرة إسبانيا الكبرى"
(32)
هكذا، فالانتماء إلى الإسلام هنا لا يتوقف على معرفة دقيقة لتعاليمه بقدر ما كان يكفي الانتساب الشكلي إليها، فلم يكن مهما جدا أن يستظهر النص القرآني دون ارتكاب هفوات وتشويهات للآيات المقدسة بقدر ما كانت تهم القراءة المادية لذلك النص ولو شوه تشويها. فالمهم هو أن يقرأ بالعربية بأي شكل كان لأن المورسكي كان بذلك يبقى في محيط وجو الإسلام. ففي مناسبة من المناسبات عطست الفتاة أركين واستنجدت بالصنم الذي كانت تعبده آنذاك. عندئذ ظهر أمامها فأمرها بقول : ألنند لله أربن اللمن ( alandu lilahi arabin allamin)، وهي عبارة إسلامية نجدها وقد تلاشت شكلا ولا يمكنها أن ترمم إلا بوضع الأصل ( الحمد لله رب العالمين) أمامها وكأننا بصدد تحفة تاريخية نال منها الدهر فاحتاجت إلى ذلك الترميم، ونفس الشيء نجده عندما قالت : آمن أرب اللمن


( 1 ) انظر ما قالهPedro de Valecia الذي يورده L. Cardaillac في بحثه :
« Vision simpmificatrice des groupes marginaux par le groupe dominant dans L’Espagne des XVIe et XVIIe siècles " , Les problémes de l’exclusion en Espagne (XVIe et XVIIe siècles ) , Paris Publication de la sorbonne , P . 22 .
" ففيما يرجع إلى البنية الطبيعية أي كل ما يخص الذكاء والطباع والهمة يجب اعتبار جميع هؤلاء المورسكيين إسبانيين كغيرهم من سكان إسبانيا"
( 2 ) وهذه السور هي التي تحمل الأرقام الآتية : 2 ، 3 ، 9 ، 26 ، 28 ، 30 ، 33 ، 36 ، 59 ، 67 ، 78 ، 79 ، 81 ، 82 ، 83 ، 84 ، 89 .
( 3 ) انظر : L . Cadaillac , Morisques et Chrétienes , Paris , Ed , Klincksieck , 1977 , P . 225 إن الإختلاف حول عقيدة الثالوث المقدس لمن المواضيع التقليدية في الجدال الإسلامي . ويكفي أن نذكر فيما يرجع إلى الجدال الإسبتني المغربي أن ابن حزم القرطبي سيخصص في القرن التاسع إحدى مؤلفاته ضد المسيحيين لانتقاد الثالوث المقدس . وفي القرن الثالث عشر سنجد القرطبي يخصص فصلين من كتابه في الجدال لتفنيد هذا المعتقد . وإسبانيا المورسكية ( ... ) لم تكن لتخرج عن هذا التقليد " .

( 4 ) إننا سنعتبر النص حديثا إذا كانت له صفة الحديث بسند إلى النبي محمد r أو كان متوارثا كحديث ، ولا ندخل في اعتبارات الصحة والوضع والضعف وما إلى ذلك من المعايير الخاصة بعلم الحديث .
( 5 ) A . Temimi , " Attachement des morisques à leur religion et à leur identié à travers les habiths dans deux manuscrits morisques " , in Religion , identité et sources documentaires sur les morisques andalous , 2 éme tome , Tunis , publication de L’Institut supérieur de Documentation , 1984 , PP . 155 - 161 .
( 6 ) يتعلق الأمر بالمخطوطين 29 و 54 من الفهرس المنشور سنة 1915 . فالمخطوط رقم 29 ألفه مورسكي من نهاية القرن السادس عشر وهو نسخة من مجموع أحاديث نبوية جمعها العالم المصري ابن عبد الله محمد بن سالم بن أبي جعفر القضائي المتوفى سنة 455 للهجرة / 1061 للميلاد مع ترجمتها إلى الأعجمية المورسكية . وأما صاحب الممخطوط رقم 54 فأندلسي وهو العباس محمد الطجيبي الأندلسي المعروف بالإقليشي . وقد درس في بلنسية وعاش في دانية ثم في أقليش وبعدها في مصر حيث توفي سنة 550 هـ / 1155 م .
( 7 ) انظر : A. Temimi , " Attachement ... " P . 157 .
( 8 ) نظرا إلى المرجع الذي أخذنا منه هذه الأحاديث كتب بالفرنسية ولم تتوفر على إمكانية الرجوع إلى المخطوط الأصلي ، فقد حاولنا أن نقدم هنا معنى الأحاديث وليس نصها العربي .
( 9 ) نصر بن محمد بن إبراهيم السمرقندي ، تنبيهه الغافلين ، الدار البيضاء ، دار الكتاب ( بدون تاريخ ) .
( 10 ) Louis Cardaillac , Morisques et Chrétiens , un affrontement polémique ( 1492 - 1640 ) , Paris , Librairie Klincksieck , 1977 , 543 PP.
( 11 ) انظر الهامش (3 ) . وكذلك ( Textes de littérature religieuse des moriscos tunisiens ) ضمن المؤلف : Etudes sur les Moriscos andalous en tuunisie , Madrid , IHAC , 1973 , P. 200
( 12 ) انظر مقالنا " الدين والللغة من خلال الكتابات الأعجمية المورسكية " المقدم إلى المؤتمر العالمي الثاني للجنة العالمية للدراسات المورسكية ، تونس 1984 .
( 13 ) انظر : المخطوط الأعجمي للخزانة الوطنية بمدريد رقم 5301 الصفحات 3v و 4r .
( 14 ) انظر : L . Cardaillac ، المرجع السابق ، ص . 227 .
( 15 ) انظر : L . Cardaillac ، المرجع السابق ، ص . 227 .
( 16 ) انظر : L . Cardaillac ، المرجع السابق ، ص . 228 : " لقد كان المورسكيون يعرفون النصوص القرآنية معرفة جيدة غير أنهم كانوا يفسرونها تفسيرا مغايرا تماما ( لما هو معتاد ) .
( 17 ) انظر : L . Cardaillac ، المرجع السابق ، ص .309 .
( 18 ) Ottmar Hegyi , Cinco leyendas y otros moriscos ( Ms 4953 de la Bibl . Nac . Madrid) , Madrid , Editorial Gredos , 1981 , P . 73 .
( 19 ) المرجع السابق ، صص . 73 - 74 .
( 20 ) المرجع السابق ، صص . 74 - 75 .

( 21 ) أقوال مترجمة من الإسبانية لأن الحقيقة رغم تطابق اللغتين الإسبانية والأعجمية المورسكية ، سيبقى هناك فرق بينهما في جوانب كثيرة تجعل من الأعجمية المورسكية ، كما أشرنا إلى ذلك في حينه ، لغة لا هي بالعربية الصرفة ولا بالإسبانية الخالصة ، بل مزيج منهما وإن كانت الكفة ستميل إلى الجانب الإسباني .
( 22 ) A . Galmés de Fuentes , Madrid , Ed , Gredos , 1970 .
(23) مخطوط من مجموعة Gayangos محتفظ به في الأكاديمية الملكية للتاريخ بمدريد .
(24) romancero اسم يطلق على مجموعة من القصائد الغنائية القصصية الإسبانية التي ظهرت بعد حروب الإسبان وملوك الطوائف بالأندلس، و أشهر مجموعة منها تلك التي تتميز بالصبغة الملحمية وهي " رومنثيرو السيد " الذي لقبه أعداؤه العرب بالسيد لأنه قاد جيوش الإسبان إلى النصر ضدهم ( يوسف محمد رضاء المعين ، قاموس عربي -إسباني ، زوق مصبح كسروان ، لبنان 1993 ) .
(25) انظر M. . de Epalza y R . Petit , Etudes sur les Moriscos andalous en Tunisie , Madrid , IHAC , 1973 , PP . 213 - 214 .

( 26 ) A . Galmés de Fuentes , EL libro de las batallas , Madrid , Ed . Gredos , 1975 .
( 27 ) المرجع السابق ، صص . 245 - 256 .
( 28 ) انظر : O . Hegyi ، المرجع السابق ، صص . 185 - 196 .
( 29 ) انظر
A . Galmés , " L’ I - yeisimo y otras cuestiones linguisticas en un relato morisco del siglo XVII " , en Estudios dedicados a Menéndez Pidal , Madrid , 1956 .


(30) L.P. Harvey, El Mancebo de Arévalo y la literatura aljamiada, Actas del Coloquio Intenational sobre Litereatura Aljamiade y Morisca, Madrid, Ed. Gredos,1978, P .23.
"فيما يخص الإرث الإسباني العربي، تجدر الإشارة إلى أن الأمر يتعلق بثقافة منحطة، ويمكن أن نقول أن ثقافة ما منحطة عندما لا تستطيع تجديد بنياتها الخاصة، فتشل وتموت بعد فترة قد تقصر أو تطول".
أنظر كذلك :
A. Domingeuz ortiz ( Y B. Vincent), Histoire de los Morisocs, Mardir, Biblioteca de Revista de Occidente, de Revista de Occidente, 1979, P : 124 :
"( ...) يمثلون ثقافة ذات تقليد عريق ولكنها وصلت إلى أوج انحطاطها وانحلالها".

(31) أنظر : المرجع السابق، ص.135.
(32) Maecedes Sanchez Alvarez, El Manuscrito 774 de la Biblioteca Nacional de Paris, Madrid, Ed. Gredos, 1982.
« Rekontamiiento de los eskandalos ke an de akaçer en la çagueria de los tiempos en la isla de
Espana », P.241.
المصدر: مجلة التاريخ العربي، العدد1، نوفمبر 1996، صص209-231

0 commentaires :

Publicar un comentario

Libros

__

Statistics

free counters

License

Licence Creative Commons Los Moriscos De Túnez de http://moriscostunez.blogspot.com est mis à disposition selon les termes de la licence Creative Commons Attribution - Pas d’Utilisation Commerciale 3.0 non transposé.

NB: Los trabajos son responsabilidad de los autores y su contenido no representa necesariamente la opinión de Los Moriscos De Túnez--- المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموريسكيون في تونس

Copyright © Los Moriscos De Túnez الموريسكيون في تونس | Powered by Blogger

Design by Anders Noren | Blogger Theme by NewBloggerThemes.com