--------------- - - -

Dec 10, 2009

"أنا أدرّس الأندلس تاريخًا وحضارة وأدبًا منذ سنة 1982"

حوار : منيرة الرزقي

الدكتور جمعة شيخة جامعي وباحث، اشتغل بمجال الأندلسيات حيث تمحورت أطروحة الدكتوراه التي قام بها حول «الفتن والحروب وأثرها في الشعر الاندلسي من سقوط الخلافة في القرن 5هــ/11م الى سقوط غرناطة في القرن 9هـ/15م» وقد طبعت في ثلاثة أجزاء، وهو مؤسس ومدير مجلة دراسات أندلسية التي تصدر منذ سنة 1988. كما اهتم بتحقيق المخطوطات وكان مديرا عامّا للمكتبة الوطنية.
وقد التقيناه بمناسبة صدور كتابه الجديد «دار الكتب الوطنية من سوق العطارين الى ربوة التوفيق : تاريخ حافل ومستقبل زاهر». عن اهتماماته ومشاغله التقيناه فكان الحوار التالي :
ـ يعدّ مجال الأندلسيات من المجالات التي أغرت الكثير من الباحثين لولوج مجاهلها، فكيف توليتم مقاربة هذا الحقل المعرفي؟
أنا أدرّس الأندلس تاريخا وحضارة وأدبا منذ سنة 1982 وانصبّ اهتمامي أوّلا على محاولة إعطاء نظرة جديدة للتاريخ الاندلسي وذلك بالاعتماد على مصدر لا يعتمده عادة المؤرخون وهو الشعر. باعتبار أن هذا المصدر يجعلنا نتعرّف على المجتمع الاندلسي في أفراحه وأتراحه، في شواغله اليومية وفي أزماته الاقتصادية والسياسية من خلال ما قاله شعراؤه من مدح وفخر وهجاء. وفي علاقاته مع «الآخر المسيحي». وقد لاحظنا أن التاريخ النثري للاندلس وقع التركيز فيه على الجانب السلبي في علاقة الدولة العربية الاسلامية بالدولة المسيحية. ووقع التركيز على الخلافات التي اندلعت بين ملوك الطوائف بعد أن تفتتت الوحدة السياسية للاندلس بسقوط الخلافة الأمويّة بالاندلس. كذلك وقع التركيز على الجانب الإباحي في الحياة اليومية الاندلسية وأرجع المؤرخون سبب سقوط الاندلس الى هذا العامل.
وبالاعتماد على الشعر حاولنا أن نبرز ما في هذه التأويلات من شطط لابدّ من تنقيحه وتبيان أن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين لم تكن علاقة عدائية مستمرّة بل هناك فترات في الاندلس تعايش فيها العنصران بكلّ ما في كلمة تعايش من تسامح وتعامل اقتصادي وفكري وحضاري. كما أنّ الاندلس لم تكن لهوا مطلقا بل كانت ميدانا للإبداع في المجال الادبي والنبوغ في المجال العلمي والامثلة على ذلك كثيرة في ميدان الطبّ والفلاحة إلخ...
ـ ما هي مظاهر النبوغ والتميّز في الابداع والفكر الاندلسيين؟
الأدب الأندلسي شعرا ونثرا هو صورة من الأدب المشرقي، هذا الحكم ينطبق الى نهاية القرن 3هـ/9م. لكن بداية من القرن 4هـ/10م بدأ يظهر ما عرف بالشخصية الاندلسية في الادب والعلم والمعمار.
ففي الأدب بدأ يظهر شعراء كبارا لا يقلّون أهميّة عن كبار شعراء المشرق مثل ابن خفاجة وابن درّاج القسطلي والمعتمد بن عباد ثم ان الحياة في الاندلس جعلت الشعراء فيها يهتمون بمواضيع على حساب مواضيع أخرى مثلا ظهر التميّز في شعر الاندلس في مجال الطبيعة نظرا لما حبا به الله الأندلس من طبيعة خلاّبة، فاتنة ساحرة، وقد وجد شعراء الغزل في هذه الطبيعة من الصور ما جعلهم يقولون شعرا غزليا رقيقا ويجعلون من مفاتن المرأة صورة عن جمال الطبيعة والعكس صحيح.
هذا الى جانب أن الاندلس عاشت بعض النكبات عبر تاريخها واضطر أهلها كما يقع اليوم في العراق الى الانتقال الى أماكن آمنة أو الخروج منها الى أوطان أخرى. فعرف في الشعر الاندلسي ما يسمّى بشعر النكبة وشعر الحنين الى الاوطان.
وأغلب المآسي وقعت عندما سقطت طليطلة وقرطبة وإشبيلية وبلنسية وأخيرا غرناطة فقيلت عدة قصائد تندب حظ هذه المدن وما تعرّض لها سكّانها من قتل وأسر وطرد. وفي الادب الاندلسي يظهر وصف للمأساة الفردية الانسانية في شعر المعتمد بن عبّاد وهو شعر لا يقلّ ابداعا عن شعر أبي فراس الحمداني.
وتتميّز كذلك الاندلس في مرحلة وجودها الاخيرة بما عرف بنظم العلوم. فقد رأى المسؤولون فيها أن التراث الاندلسي يوشك على الضياع ولهذا قاموا بنظمه شعرا حتى يحفظ في العقول والقلوب قبل حفظه في الدفاتر كما قاموا بتلخيص الكتب الطويلة نظرا لكونهم كانوا يهاجرون من مكان الى آخر نتيجة لتكالب حركة الاسترداد المسيحي في أغلب جهات شبه الجزيرة الإيبيرية (الاندلس).
أما في المجال العلمي فقد تمّيزت الاندلس في مجالين أساسيين هما الطب والفلاحة.
فبالنسبة الى الطب تميّزت خاصة في ميدان الجراحة وهناك أكبر جرّاح في القرون الوسطى وهو أبو القاسم الزهراوي وكبار الاطباء من عائلة ابن زهر أصبحوا مع أطباء المشرق أساتذة لأوروبا خلال عدة قرون.
أما في الميدان الفلسفي فلا يمكن أن نذكر الاندلس دون ذكر ابن رشد الفيلسوف شارح أرسطو فبشروحه تمكنت أوروبا من فهم أرسطو. أما في مجال الفلاحة فقد وضع الاندلسيون عدة مؤلفات في الارض والاشجار واستغلال الموارد المائية بكيفية تحقق المحصول الايجابي. وقد أبدع الاندلسيون في مجال تلقيح الاشجار وتلقيمها. وحدائق إشبيلية وطليطلة كانت أنموذجا للحدائق في ايطاليا ثم بعــد ذلك في كامل أوروبا.
ـ تحدّثتم عن العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في الاندلس فكيف تقرؤون العلائق القائمة اليوم بين المسيحية والاسلام في ظل تنامي الحديث عن حوار الحضارات والأديان؟
لقد تغيّرت المعطيات اليوم بين الغرب المسيحي والعالم الاسلامي اذ دخلت عدة عوامل أفقدت ما كان يوجد في الاندلس من علاقات تعايش سلمي يقوم أساسا على التسامح.
وقد برهنت الدولة الاندلسية عبر 8 قرون على أنها دولة لا تفرّق بين مواطنيها من مسلمين ومسيحيين ويهود. أما اليوم فقد دخلت السياسة في هذه العلاقة فكادت أن تفسد كل ما هو ايجابي فيها. فالغرب وخاصة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001 لم يعد له القدرة على التمييز بين مقاومة شريفة وارهاب بغيض فقد حشر الاثنين في سلة واحدة.
هذا الى جانب أن بعض الدول التي أصبحت تتحكّم في مصير العالم لم يكن المسؤولون فيها على درجة من الوعي بأن كل شيء بلغ حدّه انقلب الى ضدّه، فاليأس في القلوب والقنوط في النفوس من ظلم القوي يجعل الضعيف يعتبر نفسه في حالة دفاع شرعي. ولا علاقة لهذا بالأديان. فأبسط الحيوانات اذا حصرت دافعت عن نفسها بكل وسيلة فما بالك بالانسان. ولقد جاءت فرصة لأقوى دولة في العالم لتقيم توازنا عالميا بين البشر، وتحقق نسبة مرتفعة من العدالة بين الشعوب. ولكن مظلمة تاريخية كبرى حدثت في سنة 1948 جعلت بعض الحكام والمسؤولين يــنساقون وراء دعاية مجانية في سبيل تدعيم دولة تعتبر نفسها مع الاسف الشديد فوق القانون الدولي. ومن هنا انطلقت كثير من المآسي في الشرق الاوسط، كاحتلال العراق وتفتت الصومال والتدخّل السافر في لبنان والسودان. وهذا قطعا لا يخدم علاقة دولة كبرى بحوالي ثلث البشرية وهو العالم الاسلامي.
ـ ما هي النتائج التي توصلتم اليها من خلال تجربتكم في مجال تحقيق المخطوطات وهل هناك من ينكبّ اليوم على فعل التحقيق في الجامعة التونسية؟
انّ تحقيق المخطوطات علم بدأ يدرّس لأوّل مرة في فرنسا في جامعة السوربون سنة 1902. وكان أوّل درس في هذا الاختصاص في القاهرة سنة 1952. أما أول درس ألقي في تحقيق المخطوطات بكلية 9 أفريل بتونس فقد كان سنة 2002 وكنت صاحب المبادرة.
وينقسم علم المخطوطات الى قسمين أوّلا تحقيق النصوص وذلك بالاعتماد على عدة نسخ يتحصّل عليها الباحث للمقارنة واخراج نصّ واضح مشروح والكوديكولوجيا وهم علم يهتم بالورقة الاولى والاخيرة للمخطوط، فسيستنتج منهما الباحث كثير من المعلومات حول المؤلف وعصره ومجتمعه من الناحية الثقافية والفكرية. كما يهتم بنوع الورق والمداد وكيفية التسفير والتذهيب ومعالجة المخطوط وصيانته. وهناك مختصون أكفّاء يقومون بهذا.
هنا وقد ناديت في مقالين بإنشاء معهد للمخطوط يدرّس فيه علم المخطوطات بقسميه، وذلك اعتبارا للرصيد الكبير الذي نمتلكه في المكتبة الوطنية من المخطوطات والتي تبلغ 25 ألف مجلّدا فيها 40 ألف عنوان وهي في حاجة الى التحقيق والصيانة.
ولابدّ من تكوين مختصين أكفاء في هذا الميدان وذلك بانشاء هذا المعهد. ولمزيد اثراء المكتبة الوطنية بالمخطوطات اقترحنا انشاء جائزة رئيس الدولة لأحسن مخطوط في شكل مسابقة. تتمكن من خلالها المكتبة الوطنية من الوصول الى ما يمتلكه الخواص من نفائس المخطوطات وبعضهم لا يعرف قيمتها. وعند المشاركة يقع ضبط قائمة في المخطوطات المشارك بعناوينها وبعد الاعلان عن النتائج وتسليم الجائزة لصاحب أحسن مخطوط تعود المخطوطات لأصحابها مع امكانية أن تثري المكتبة الوطنية ببعضها وبذلك يمكن اغناء رصيدنا من المخطوطات.
ولابدّ هنا من التأكيد على أن مخطوطات الدولة لا يسمح القانون بإخراجها أو بيعها وقانون 1967 يفرض تجميع كامل المخطوطات في المكتبة الوطنية. ولذا فانّ بقاء بعضها في مؤسسات أخرى ممنوع خاصة وأن البعض منها وقع اخراجه بطريقة غير مشروعة خاصة مخطوطات ابن خلدون.
وعودة الى تدريس تحقيق المخطوطات فانه من المؤسف حقا أنه بعد تقاعدي سنة 2006 حدث شغور في شهادة تحقيق المخطوطات وعلّقت.
....
المصدر: جريدة الصحافة_مقتطف

0 commentaires :

Post a Comment

Copyright © Los Moriscos De Túnez الموريسكيون في تونس | Powered by Blogger

Design by Anders Noren | Blogger Theme by NewBloggerThemes.com