- - -

27 nov. 2011

طرق المهجرين الأندلسيين إلى المغرب


الدكتور الحسين بوزينب
عرفت سنة 1609 والسنوات القليلة التي تلتها، اتخاذ قرارات الطرد المفجعة في حق من اعتُبر من بقايا المسلمين في إسبانيا، غير أن هذه القرارات وإلى يومنا هذا، لم تهمد تداعياتها على نفسية من طُبقت عليهم وحتى على من كان في الجانب المتفرج، إن صح التعبير، من المجتمع الإسباني، بحيث ما زلنا نرى أن الأمر لم يهضم ولم يفهم الفهم المقنع بسبب التناقضات الكثيرة التي لفته منذ أن طُرحت فكرة التخلص من العنصر الموريسكي في إسبانيا، لأن المسألة إن اعتمدت منطلق الدين كسبب دافع إلى اتخاذ قرار الطرد - إذا أخذنا بعين الاعتبار ما يبدو ظاهريا وما تم استهلاكه من تعليلات من لدن السواد الأعظم من الناس - سنجد أن هذا الجانب لم يدخل في الحيثيات المرتكز عليها إلا هامشيا حسب الشرح الذي حاول أن يجده لذلك مؤرخَان من أكبر المتخصصين في الموضوع، وهما الإسباني أَنْطُنْيُ دُمِنْغَاثْ أُرْتِثْAntonio Domínguez Ortiz والفرنسي بَارْنَرْ فَنْسَان Bernard Vincent، فهما يقولان: «إن طرد الموريسكيين إجراء تم تأخيره مرارا عديدة، وتم تطبيقه في نهاية المطاف باللجوء إلى مبررات غير واضحة»([1]). واعتمادا على ما أتى به خَيْمَا ذَا بْلاَذَ Jaime de Bleda ، في كتابه "تاريخ مسلمي إسبانيا"، وهو راهب دومينيكي ومن أكبر المدافعين عن أطروحة الطرد ومعايش للأحداث، يقول


المؤرخان المذكوران: «... يمكن استنتاج أمرين اثنين، أولهما أن دوق لاَرْمَ Duque de Lerma هو المحرك الأساسي للطرد، وثانيهما، أن هذا الطرد لم يُؤسَّس على الأسباب الدينية، بل على السياسية: (أي على) الخطر الذي كان يمثله الموريسكيون على أمن الدولة». ويضيف المؤرخان متسائلان: هل كان هذا الخطر (بالفعل) واقعيا ومُشْرِفا على الحدوث وخطيرا؟([2]).

إن الجواب على التساؤل يوجد في التساؤل نفسه. ونحن في هذه المناسبة لم نضع نصب أعيننا الدخول في مناقشة الدواعي والأسباب التي دفعت الملك الإسباني إلى اتخاذ الإجراء المذكور في نهاية المسار، بقدر ما نود رصد بعض المعلومات المادية عن عملية إخراج الموريسكيين من إسبانيا، لأن التدبير الملموس لهذا الإجراء ربما اكتنفه بعض الغموض لدى عامة المهتمين بالموضوع. فمن ناحية السلطات المقرِّرة، كان ضروريا اتخاذ مجموعة من التدابير المتعلقة بتنظيم المسالك داخل إسبانيا وبتحديد الوجهات التي كان على المهجرين اتخاذها، ثم إيجاد السفن التي تتكفل بنقل الناس نحو الوجهات المذكورة. هذه كلها أمور كانت تحتاج إلى درجة كبرى من دقة التخطيط لا تتحمل إلا هامشا يسيرا من الخطأ، لأن حدوث أدنى خلل غير مرتقب كان يعرض العملية بأكملها للفشل وعواقبها المحتملة كانت غير محتسبة. لذلك كان المسؤولون خلال اجتماعاتهم يطرحون شتى الجوانب ويضعون مختلف السنريوهات والاحتمالات.

إذا كان ما سبق ذكره يمكن أن يدخل في الإطار اللوجيستيكي لعملية اقتياد الأفواج ونقلها، فقد طرحت كذلك جوانب جيوستراتيجية عامة خصوصا سنة 1610 لما تزامن طرد مسلمي الأندلس ومملكة غرناطة وبلدة هُرْنَجُّشْ مع تنفيذ عملية احتلال العرائش.

إن مسألة التخطيط والتفاوض لاحتلال العرائش التي أخذت من الساسة الإسبان وقتا غير يسير وجهدا متواصلا مدى سنين طويلة منذ عهد الملك فالبا الثانيFelipe II - باعتبار الموقع الإستراتيجي الحيوي لهذا المرسى وسط الطريق البحرية الرابطة بين إسبانيا والعالم الجديد - لن تنضج لصالحهم إلا بعد موت هذا الملك بأكثر من عقد من الزمن. وشاءت الصدف أن تتزامن اللحظة الحاسمة لقطف ثمار أمر طالما انتظروه، مع إجراء آخر لا يقل أهمية عنه بالنسبة إليهم، ألا وهو متابعة طرد الموريسكيين، وهي عملية كانوا قد شرعوا في تنفيذها منذ عدة شهور لما أرغموا المسلمين البلنسيين على الخروج من إسبانيا.

لم تكن الحسابات واضحة أمام أعين الساسة الإسبان لأنهم كانوا سيقدمون على تنفيذ إجراء كان يحمل بين طياته إمكانية رد فعل المطرودين خصوصا بعد تهجيرهم وذلك لارتقاب إمكانية وقوف هؤلاء بجانب المغاربة الذين سيقاومون الاحتلال، بالإضافة إلى الجوانب الأخرى المتعددة والمعقدة والمتداخلة.

إن اجتماع مجلس الدولة الإسباني المنعقد بتاريخ 26 دجنبر من سنة 1609([3]) للنظر في المسألة يبين حالة عدم وضوح الرؤيا المخيم في تلك الآونة على المجلس الذي كان مطالبا بإعطاء الجواب للمعضلة المتعددة الجوانب، أي: رجوع الشيخ المأمون، المحتمي آنذاك في جنوب إسبانيا، لأجل إتمام تسليم العرائش وجهل الإسبان لرد فعل ابنه عبد الله، وعملية السطو على العرائش في حد ذاتها، ووسط كل ذلك ينتصب الإعلان عن طرد الموريسكيين.

أما من كان سيتعرض للتهجير فبدوره تهيأ لاستقبال الضربة حتى لا تفاجئه. فالموريسكيون كانوا يتتبعون كل ما كان يحاك ضدهم ويحاولون


تقاسم الأخبار والمستجدات فيما بينهم، وحتى من خرج منهم قبل الطرد كان يتتبع أمور إسبانيا انطلاقا من المهجر كما كان يفعل أولئك الذين استقروا في تطوان، حيث قال عنهم أحد الأسرى المسيحيين الذين عاد إلى إسبانيا بعد فديته: «عادة ما يُعرف في تطوان ما يجري في هذه العاصمة (مدريد)، واليوم الذي ذهب فيه صاحب الجلالة إلى الإسكوريال أو إلى اَلْبَّرْذُ أو إلى أي مكان آخر، وكم يوم مكث هناك ومن رافقه وكل ما استجد في إسبانيا»([4]) .

لقد توفرت في مدينة تطوان مجموعة من العناصر الموضوعية التي جعلت منها مركزا للاستعلامات بالنسبة للموريسكيين وكذلك بالنسبة للمسيحيين. إن قربها من مدينة سبتة التي كان لبعض الموريسكيين والمغاربة المسالمين([5]) سهولة التوافد عليها جعل منها إحدى المحطات الأولى والمهمة التي تنتهي فيها الأشواط الأولى من مغامرات خروج الموريسكيين من إسبانيا نحو المغرب، قبل صدور قرارات الطرد، إضافة إلى مختلف الأخبار الواردة من إسبانيا عن الأحوال والأحداث المستجدة. ومن ناحية أخرى، فإن تردد بعثات الرهبان عليها من أجل التفاوض حول افتداء الأعداد المهمة من الأسرى المسيحيين الذين كانوا يقبعون في سجونها، كان يسمح للرهبان المذكورين الإطلاع على ما كان يجري في المغرب لنقله إلى السلطات في إسبانيا.

إن دراستنا لبعض الوثائق([6]) الإسبانية سمحت لنا بتكوين فكرة قريبة جدا عن الكيفية التي كان يخرج بها الموريسكيون سرا من إسبانيا عندما شعروا بقرب النهاية الحاسمة لوجودهم على أرض جزيرة الأندلس. فقد وجدنا أن لهجرتهم هذه طريقين أساسين هما عبر جبل طارق ومالقا وجنوب ما يسمى اليوم بالأندلس نحو الشواطئ المغربية في جنوب المضيق، للذهاب بعد ذلك إلى تطوان، ثم هناك مسلك ثاني يتجه نحو جنوب فرنسا، خصوصا عبر الطريق المؤدية إلى مدينة تولوز الفرنسية.

إن التوجه نحو فرنسا ما كان ممكنا لو لم تكن ظروف استقبالهم على هذه الأرض مناسبة وغير عدائية، فيقول أحد الموريسكيين: «لقد توصلت برسائل من جَّبِّثْ Chapiz يقول فيها إن فرنسا هي أحسن أرض في الدنيا»([7]). ومن ناحية أخرى، اتخذ بعض الموريسكيون عدة تدابير استباقية من أجل تسهيل الخروج نحو فرنسا لمن أراد سلوك هذه الطريق، فنجد أن «في طليطلة وأكَنَّ Ocaña وبَّشْتْرَنَ Pastrana و بلد الوليد Valladolid ومرسيةMurcia يوجد موريسكي في كل مدينة من هذه المدن من بين أثريائهم ووجهائهم عهد إليه من قبل الجميع بتشجيع ومساعدة من كان سيذهب وكذا بجمع بعض الحصص المالية التي كانت تستخلص وترسل إلى صندوق في تُلُشَ تحت سلطة جَّبِّثْ وآخرين، وذلك من أجل دعم ومساعدة الموريسكيين الذين كانوا يصلون بدون ثروة، ويوجهون إلى مرسيليا ليركبوا من هناك متوجهين إلى المغرب Berbería»([8]).

تقرر الشروع في الطرد بإجلاء الموريسكيين البلنسيين وبدأ التحضير في السرية التامة من أجل هذا الغرض، وصدرت الأوامر لتجميع أسطول إيطاليا في جزيرة ميرقة، فمن هنا يمكن للسفن أن تتوجه نحو نقط الإبحار، كما تم إعداد الجيوش والأسلحة التي يمكن استعمالها في حالة صدور مقاومة ما من قبل البلنسيين([9]). رغم الاحتياطات التي اتخذت كي لا يتسرب خبر نية السلطات بطرد الموريسكيين البلنسيين، فانطلاقا من شهر غشت من سنة 1609 بدأ الخبر في الانتشار خصوصا بعد مشاهدة الاستعدادات الهائلة التي لم يكن في الإمكان إخفاؤها كنشر الوحدات البحرية لمراقبة الشواطئ المغربية. فلما تيقن الموريسكيون أن تلك الاستعدادات كانت موجهة إليهم انهارت معنوياتهم وانحازوا إلى منازلهم لتدبير أمورهم الشخصية رافعين اليد عما كانوا يأتون به على عادتهم إلى المدن والقرى المسيحية من سلع([10]) .

في 22 من شهر شتنبر من السنة المذكورة تم الإعلان عن طرد الموريسكيين البلنسيين ومُنح النبلاء الذين كان الموريسكيون تحت إمرتهم، حيازة الأمتعة التي سيتركونها بعد مغادرتهم المكان، وذلك تعويضا لهم عن الخسارات الهائلة التي ترتبت عن مغادرة تلك اليد العاملة التي لم يكن في إمكانهم الاستغناء عنها. لا داعي هنا إلى التذكير بالشروط القاسية المفروضة على المهجرين من قبيل المدة التي أعطيت لهم للالتحاق بالمراسي التي سيخرجون منها (3 أيام) والأمتعة التي يمكن حملها معهم، وتشتيت العائلات المكونة من موريسكي ومسيحية، الخ.

إن جسامة المأساة الإنسانية التي مثلتها قضية تهجير أولئك المنبوذين تزداد فظاعة عندما نكتشف اليوم أن الملك الإسباني قام باستدعاء الرسامين لتخليد ذلك الحدث الذي هز المجتمع الإسباني آنذاك، وهو حدث - يقول عنه بَارْنَبَا بُّنْشْ Luis F. Bernabé Pons- «نعتبره اليوم بمثابة إبادة عرقية، واعتبر في حينه ذو طابع إلاهي»([11]).

إن اللوحات الزيتية والرسوم التي يمكن مشاهدتها في بعض المتاحف الإسبانية أحيانا تعبر أيما تعبير عن قسوة معاناة الإنسان الموريسكي المهجر قسرا نحو المجهول، كما هو الحال مع الرسم المحتفظ به في متحف ءَالْ بّْرَذُ في مدريد Museo del Prado لبِثَانْتَا كَرْدُجُّ Vicente Carducho والذي يرجع تاريخه إلى سنة 1627 حيث نشاهد صفا لا ينتهي في الأفق ممن حكم عليهم القدر بمغادرة أرض أجدادهم، أطفالا ونساء وشيوخا، بعضهم حفاة وشبه عراة يتوجهون نحو السفينة التي ستبحر بهم نحو المجهول، وقد أنهكهم العياء بعدما قطعوا المسافات الطوال، يمرون أمام الجنود المدججين بالأسلحة ولا يحملون سوى نزرا يسيرا من الأمتعة بعد أن أجبروا على ترك كل ممتلكاتهم، وحتى هذا القدر الضئيل لن ينجو من شره قطاع الطرق وبعض البحارة ورؤسائهم، وحتى الجمارك في بعض المعابر لن ترحمهم، بحيث كانوا يرغمون على دفع الضرائب عما يحملونه من أمتعة، كما كان يحدث في مدينة سبتة مثلا([12]) وهي آنذاك تحت سلطة حاكم برتغالي تابع للإدارة الإسبانية.

إن كان هذا رسم كتب له أن يراوغ تقلبات الزمن كي يقربنا ماديا من الحدث الذي تقشعر له النفوس، فما بالك بما ضاع من تلك الرسوم واللوحات، كتلك اللوحة المفقودة لأحد كبار الرسامين الإسبان ألا وهو دياغ ذا بالثكاث Diego de Velázquezالذي أحرز على جائزة أحسن رسم في المباراة التي نظمها الملك فَالِبَّا الرابع Felipe IVسنة 1627 لتخليد حدث تهجير الموريسكيين من إسبانيا.

إن الرغبة في تخليد هذه الفظاعة الإنسانية بدأت منذ حدوثها مع الملك فَالِبَّا الثالثFelipe III ، حيث طلب هذا الأخير من مجموعة من الرسامين في بلنسية تمثيل الحدث على لوحاتهم الزيتية. وقد بقي هذا الجانب مجهولا حتى اكتشف في السنين الأخيرة من قبل بعض الباحثين([13])، بحيث تم عرض مجموع الأعمال المكتشفة لأول مرة أمام الجمهور سنة 1997، رغم معرفتها من قبل البعض منذ سنة 1990. وهي اليوم في ملكية مؤسسة تابعة لأحدى البنوك البلنسية (Bancaja).

إن إنجاز هذه اللوحات قد تم بين السنتين 1612 و1613 من قبل الرسامين بَّارَا أُرُمِغْ Pere Oromig وخَارُنِمُ ءَاشْبِّنُشَ وJerónimo Espinosa وبِثَانْتْ مَاشْتْرَا Vicent Mestre وفْرَنْثِشْكُ بَّارَلْتَ Francisco Peralta، وكلهم رسامون معروفون محليا بالرغم من أن مستواهم الفني لا يرقى إلى مصاف الفنانين المحنكين أمثال بَالَثْكَاثْ السالف الذكر، رسام بلاط فَلِبَّا الرابع، ومع ذلك فإن لوحاتهم تركت لنا انطباعا واقعيا ومعبرا عن شتى جوانب التهجير: من اقتياد إلى المراسي، كما نشاهد في لوحة أُرُمِغْ الذي رسم الإبحار من مرسى غْرَوGrau في بلنسية ولوحة بَّارَلْتَ الذي رسم الإبحار من بني عروس وألقنت، ومَاشْتْرَا من دانية، وكذلك رسم ثورة الموريسكيين ولجوئهم إلى قمة مْوَالَ ذَا كُرْتَاشْ Muela de Cortes والنزول في وهران وباقي الشواطئ في اتجاه المغرب، وءَاشْبِّنُشَ الذي رسم الثورة في جبل الأغوارLaguar . ونرى في رسم مَاشْتْرَا الخاص بالخروج من دانية، مشاهد رقصات جماعية وراء أسوار المدينة تعبيرا عن فرحة بعض المسيحيين، وكذلك مشاهد شجار بين بعض الأفراد وكما نشاهد بعض المسيحيين المتفرجين على مغادرة المسلمين وركوبهم السفن.

وحسب النص الموجود في لوحة بِثَانْتْ مَاشْتْرَا التي تمثل وصول الموريسكيين البلنسيين إلى وهران ومناطق أخرى من المغرب يقول: إن أغلب هؤلاء الموريسكيين الذين خرجوا من مملكة بلنسية قد تم إنزالهم في ضواحي وهران قصد الذهاب إلى فاس ومراكش وتطوان (...)، أما الباقي فقصدوا تونس والجزائر وتطوان. وحسب السجلات التي أنجزت في المعابر التابعة للمفوضين الأربعة الرئيسين فإن عدد الموريسكيين المهجرين نحو بلاد المغرب Berbería يتعدى مائة وخمسين ألف.

يبدو أن جل الموريسكيين المهجرين في هذه الفترة الأولى توجهوا نحو الشواطئ الجزائرية ومنها انتقلوا إلى نقط أخرى من المغرب والجزائر وتونس، وكان اختيار السلطات الإسبانية إنزال الموريسكيين في منطقة وهران له دوافع احترازية خصوصا وأن هذه القاعدة المتوسطية كانت آنذاك تحت سيطرتهم، ولكن دون اتخاذ إجراءات لضمان سلامة من أوتي بهم إلى هذه الأراضي الغريبة عنهم. وقد لقي الموريسكيون الذين وصلوا إلى تلك الربوع مشاكل عديدة. فبعد النزول في المرسى الوهراني أخرجوا إلى الضواحي دون أية حماية وهو الأمر الذي عرضهم لشتى أشكال النهب والاعتداء من قبل السكان خصوصا وأنهم كانوا يرتدون لباسا أوربيا ويتكلمون الإسبانية([14]) وهو ما جعل السكان يعتبرونهم إسبان مسيحيين.

مما لا شك فيه أن التجربة الأولى قد بينت للمسؤولين الإسبان أن تصرفهم اتسم بهفوات تنظيمية عديدة فحاولوا تفادي تكرارها خصوصا وأنهم كانوا على بينة من الفرق الموجود بين البلنسيين والأندلسيين، لذلك نراهم يطرحون مع الأندلسيين ومن هُجر معهم جوانب تنظيمية جديدة: فالمسؤولان عن تنظيم هذا التهجير الجديدة في بداية سنة 1610 يعترفان بأنهما «سيحتاجان إلى معرفة كيفية الحصول على السفن وتجهيزها قبل أن يتم التعرف المسبق على الوجهة التي سيأخذونها، وذلك بسبب اختلاف الجهات التي سيقصدها كل واحد منهم. ثم إن السفن التي تستطيع الذهاب إلى أبعد من المغرب Ververía يستحيل الحصول عليها؛ أضف إلى ذلك استحالة الذهاب (بالمطرودين) على متن أسطول (ملك إسبانيا) إلى الأراضي الصديقة، لأنه لا يوجد أي ملك سيسمح لهم بالنزول، وسيشتكي السكان إذا ما تم إنزال على أرضهم. وإذا ما بدت هذه الصعوبة غير مهمة، فإنهما يعتبران ذات أهمية بالغة أن الوقت قد زاحم كثيرا بالنظر إلى عدد الموريسكيين المراد نقلهم. فإذا لم تكن المسافة قصيرة، سيستحيل إنجاز الأمر، لذلك يجب أن لا يؤخر أكثر»([15]).

إن الفرق بين حملة تهجير البلنسيين والأندلسيين يكمن في أنه رغم أن الإنزال سيتم دائما في قواعد تحت سيطرة الإسبانيين (في سبتة بالنسبة للأندلسيين ومن طرد معهم) إلا أنه في الحالة الأخيرة كانت هناك اتصالات سابقة وتهييئ مسبق للاستقبال ومعرفة بالمجال الذي سينتهي إليه المهجرون. ثم إن المغاربة كانوا يعرفون من سيأتي إليهم، بل وكانوا يتمنون مجيئهم. فالمغاربة: «كانوا يبدون سروراً كبيراً تجاه الرأي السائد والقائل بإرسال الموريسكيين إلى هناك. وقد قال (...) أحد الربابنة المغاربة: إذا سمح جلالتكم سيأتون من أجل حملهم على فرقاطاتهم. فبالإضافة إلى أن في ذلك عمل لوجه الله، فإنهم يقدرون أيما تقدير تواجد المسلمين الإسبان في المغرب من أجل المصاهرة معهم. وهم يظهرون هذه الرغبة بسبب الخصاص الذي كانوا يعانون منه في السكان، و يرون أن من سيذهب من هنا يمكنه القيام بشتى الأغراض كفلاحة الحقول وإعمار المدن، لأنها تشكو من حاجة ماسة إلى السكان...».

وفي شهر ماي من سنة 1610 ستصدر الأوامر لطرد الموريسكيين من أرغون وكطلونيا بعد ما تم طرد إخوانهم من بلنسية وقشتالة والأندلس وءَاشْتْرَامَدُرَ في ظروف جد قاسية. وقد بلغ عدد المطرودين من أرغون نحو 64.000 وما يناهز نفس العدد أو أكثر من كَتَلُنْيَ. وقد سبق لعدد مهم من هؤلاء المسلمين أن خرجوا نحو فرنسا عبر Canfranc لما شعروا بالخطر، وقد قدر عددهم ما بين 12.000 و14.000 نسمة. ولكن بعد 10 من ماي سنة 1610 ستغلق الحدود في وجه هذه الهجرة التي كانت السلطات تتساهل فيها في بداية الأمر. هكذا سيجمع من تبقى من الموريسكيين الأرغونيين في طرطوشا وشاطئ اَلْفَكَاشْ Alfaques حيث سيتم تهجيرهم بالعنف من مرسى الرابطة La Rápita في اتجاه الجزائر. وحسب بعض المؤرخين فإن هؤلاء الموريسكيين منحوا حرية اختيار الوجهة التي يريدون قصدها، لذلك سنجد أن أعدادا مهمة منهم توجهوا نحو الجزائر وتونس (قرابة 50.000). ولكن يجب أن نقول كذلك إن الاستقرار النهائي للموريسكيين لن يحدث منذ الوهلة الأولى في المكان الذي أنزلوا فيه، وإنما بعد استطلاع الأماكن المناسبة لكل منهم، فلا نستغرب أن نرى أن الاتصالات بينهم في المهجر ستستمر سنين عديدة بعد الخروج من إسبانيا. فلدينا وثيقة تؤكد التواصل المستمر بين الموريسكيين في تونس والرباط حتى حدود سنة 1644. ووثيقتنا([16]) تتحدث عن «علاقة ما يحدث في الرباط وفي تونس وعن خطر محتمل قد يتعرض له ذووهم القاطنون في تونس وفي مناطق أخرى من المغرب، والذين يتراسلون معهم...».


_____________________
([1]) A. Domínguez Ortiz y Bernard Vincent. Historia de los moriscos, vida y tragedia de una minoría. Madrid. Biblioteca de la Revista de Occidente. 1978. Pág. 177.

([2]) للمزيد من الشروح والتوضيحات والتحاليل التي يقدمها أرتيث وفانسان، يمكن اللجوء إلى مؤلفها المذكور، وبالخصوص إلى الفصل الثامن منه.

([3]) أرشيف شٍمَنْكَشْ، الرزمة: E 493 المنشورة في كتابنا الموريسكيون في قصبة الرباط، دار أبي رقراق للطباعة والنشر، الرباط، 2011. ص. 101.

([4]) أنظر الرزمة 2639 E من أرشيف شٍمَنْكَشْ المنشورة في كتابنا الموريسكيون في قصبة الرباط.
ص 98.

([5]) كان الإسبان يسمونهم moros de paz.

([6]) راجع الوثيقة رقم 2 من كتابنا السالف الذكر.

([7]) أنظر الوثيقة المذكورة 2639 E.

([8]) أنظر الرزمة E2639 من أرشيف سيمانكاس.

([9]) أنظر كتاب أرتيث وفانسان، المرجع السابق. ص. 179.

([10]) راجع الهامش 7 في ص. 179 من المرجع السابق.

([11]) “Una crónica de la expulsión de los moriscos valencianos. Los cuadros de la Fundación Bancaja” Sharq al Andalus. 14-15 (1997-1998). pp.535-538.

([12]) نجد الإشارة إلى هذا الإجراء في الوثيقة E 494 من أرشيف شِمَنْكَشْ.

([13]) يقول الباحث المغربي يوسف العلوي في مقاله:

“L’expulsion des Morisques de Valence”:

نستطيع اليوم بفضل Jesús Villalmanzo Cameno وهو باحث في الأرشيف الملكي في بلنسية وصاحب الدراسة المتعلقة بفهرس (الرسوم) أن نعرف أسماء الرسامين وكذا الظروف التي أنجزت فيها.

أنظر دراسة يوسف العلوي على شبكة الأنترنيت في :

http://ceredi.labos.univ-rouen.fr/public/?l-expulsion-des-morisques-de.html

([14]) Cfr. Míkel de Epalza. Los Moriscos antes y después de la expulsión. Internet: http://www.biblioteca.org.ar/libros/89381.pdf. Pág. 84.

([15]) أرشيف شِمَنْكَشْ. الرزمة E 2639.

([16]) الموجودة في الرزمة E 2668 من أرشيف شِمَنْكَشْ. أنظر كتابنا السالف الذكر. ص.
163

المصدر: مجلة التاريخ العربي، عدد58

0 commentaires :

Publicar un comentario

Libros

__

Statistics

free counters

License

Licence Creative Commons Los Moriscos De Túnez de http://moriscostunez.blogspot.com est mis à disposition selon les termes de la licence Creative Commons Attribution - Pas d’Utilisation Commerciale 3.0 non transposé.

NB: Los trabajos son responsabilidad de los autores y su contenido no representa necesariamente la opinión de Los Moriscos De Túnez--- المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموريسكيون في تونس

Copyright © Los Moriscos De Túnez الموريسكيون في تونس | Powered by Blogger

Design by Anders Noren | Blogger Theme by NewBloggerThemes.com