- - -

1 sept. 2009

المئوية الرابعة لطرد الموريسكيين من إسبانيا

باسل أبو حمدة
تدل كلمة «موريسكي» على الشخص الاسباني المسلم أو من حافظ على ديانته الإسلامية وبقي يعيش في الأندلس بعد انهيار الحكم العربي الإسلامي فيها، بينما تجسد قصة المرش أو الموريسكيين إحدى أكثر المحن إيلاما وجورا في تاريخ الإنسانية إلى حد يمكن القول:
إنه لا يمكن مقارنة عملية تطهير عرقي من هذا القبيل وبهذا الحجم الهائل إلا بما مارسه الرجل الأبيض من تطهير عرقي بحق الهنود الحمر في قارة أميركا الجديدة أو ما ارتكبته العصابات الصهيونية من جرائم في فلسطين أو ما اقترفه النظام العنصري في جنوب أفريقيا. على الرغم من اتفاقات السلام التي تم التوقيع عليها بين الأندلسيين والملوك الأسبان والعهود والمواثيق التي كانت تحكم العلاقة بينهما، إلا أن الأسبان انتهكوا المواثيق وحنثوا بالعهود بعد أن ألقى العرب الأندلسيون سلاحهم وأصبحوا بلا حول ولا قوة، فراحوا يسومونهم شتى أنواع العذاب واستمروا في اضطهادهم والتنكيل بهم طوال أكثر من مئة عام، وكانت النتيجة أنه عند أواخر عام 1610 لم يبق في الأندلس كلها عربي واحد مع أن المؤرخين يقدرون عددهم عام 1000 بنحو 30 مليوناً، علما بأن العرب عاشوا في الأندلس أكثر من 800 عام أشاعوا خلالها العدل والمساواة فعاملوا الأسبان معاملة الإنسان لأخيه الإنسان .
ولم يفرقوا بين مسيحي ومسلم. لكن التعصب الأعمى من جانب ملوك اسبانيا وأوروبا لم يتمكن من أن يجتث من أرض الأندلس أصول الحضارة العربية الزاهرة، التي لا تزال ماثلة أمام العيان وتنبئ القاصي والداني بأن العرب في الأندلس كانوا بناة حضارة قل نظيرها.في 9 أبريل الماضي اكتملت أربعة قرون على صدور أول مرسوم أسس لظاهرة التصفية العرقية والدينية من منظور رسمي عبر التاريخ، ذلك المرسوم الذي تحول إلى قانون نافذ نص على طرد الموريسكيين من الأراضي الإسبانية بعد أن عاشوا هناك طوال عشرة قرون من الزمن وشيدوا أرقى الحضارات الإنسانية وأكثرها ازدهارا، الحضارة الأندلسية، ووصلوا بعلمهم ومعرفتهم مستوى من الرقي والتقدم دفع ملوك أوروبا إلى تقديم بناتهم هدايا لملوك المسلمين، وجعل ملك إنجلترا يتوسلهم بغية تعليم البريطانيين في جامعات وجوامع الأندلس العامرة وحواضرها الزاهرة.
وبالتالي، فإن طرد المسلمين من مدن وقرى وبلدات الأندلس لم يتم، كما يظن البعض، مع سقوط غرناطة والمملكة التي كانت تحمل اسمها في 2 يناير 1492، على الرغم من أن هذا التاريخ شهد سقوط آخر قلاع الإمبراطورية الإسلامية في الأندلس، ذلك أن عمليات الطرد والإبادة الجماعية والتعذيب وإجبار المسلمين على تغيير دينهم بدأت قبل ذلك التاريخ بكثير.
وكانت أولى المدن التي تم طرد المسلمين منها هي مدينة فالنسيا وضواحيها واستمرت لأعوام وقرون تخللها محاولات كبرى لتبديد الهوية العربية وتنصير المسلمين، ما دفع أعدادا كبيرة منهم إلى إخفاء هويتهم الدينية وممارسة شعائرهم في العتمة.
أما القرار الرسمي بطرد الموريسكيين فلقد اتخذه الملك فيليب الثالث بعد أن كانت محاكم التفتيش ذات الطابع العنصري قد فعلت فعلها وبطشت بجمهور المسلمين الأسبان مجبرة إياهم على التخلي عن ديانتهم بالقوة.
وتفيد كتب التاريخ بأن ذلك القرار المشؤوم جاء بعدما تبين للملك فيليب الثالث أن مشاعر الحنين كانت لا تزال تراود الموريسكيين وتشدهم لماضيهم وتحول دون اندماجهم في إسبانيا المسيحية، الأمر الذي قد يدفعهم في وقت لاحق للتحالف مع المغرب أو الإمبراطورية العثمانية، التي أصبحت سيدة البحر الأبيض المتوسط وكانت سفنها تمخر عبابه كما يحلو لها وتغير على شواطئ إسبانيا من حين لآخر.
يضاف إلى كل ذلك رغبة ملك إسبانيا في وضع حد للاتهامات التي كانت رائجة في بقية بلدان أوروبا والتي اعتبرت إسبانيا الدولة المسيحية الوحيدة التي تعيش على أراضيها أقلية مسلمة غير مرغوب فيها، فضلا عن تداعيات انتفاضة المسلمين الأسبان في منطقة «البوخارا» في غرناطة ما بين عامي 1568 ـ 1571 ضد السلطات المسيحية هناك.
قرار طرد الموريسكيين اتخذ في 9 أبريل 1609، لكنه بقي طي الكتمان حتى بدء تطبيقه في شهر سبتمبر من العام نفسه، الذي شهد أول عملية طرد جماعية رسمية من إقليم بلنسية، إذ أبحرت أول سفينة محملة بالمهجرين في 30 سبتمبر من ذلك العام، وامتدت عملية الترحيل لسنوات طويلة تخللها ثورات وانتفاضات كانت تقوم بها بين الحين والآخر الجموع المسلمة، التي احتمت بالجبال لفترات طويلة جدا من الزمن ونسجت حولها الكثير من الأساطير والقصص الغريبة.
جموع المسلمين الأسبان اتجهت مجبرة نحو العالم الإسلامي عموما والمغرب على وجه الخصوص، وكانت مدينة شفشاون المغربية هي التي احتضنت أكبر عدد من المطرودين الموريسكيين مقارنة مع باقي مناطق العالم العربي والإسلامي على الإطلاق.
تلك الحشود من أحفاد الموريسكيين لا تزال تقف على الأطلال لتراقب عن بعد 12 كم شواطئ بلادها القديمة وتترقب كل ما هو آت من هناك ذارفة الدموع على فراقها وعيونها شاخصة باتجاه آخر معاقل ممالك المسلمين في الأندلس.
رغم كل ما قدمته الحضارة الإسلامية للقارة العجوز عموما واسبانيا خصوصا من تقدم وعلم وتنوير، لا تزال تخرج بعض الأصوات النشاز، على غرار رئيس وزراء أسبانيا الأسبق أزنار، التي تطالب المسلمين بتقديم اعتذار عن احتلال أسبانيا، فلقد قال هذا اليميني الإسباني المتشدد ذات مرة: «يجب أن أقول إنني من أنصار الملكة إيزابيلا والملك فيرناندو».
وهما الملكان اللذان قادا تلك الحملة البشعة ضد آخر معاقل المسلمين الأندلسيين، وابتكرا اختراع محاكم التفتيش التي طاردت المسلمين الأسبان وصادرت أملاكهم وهجرت الملايين منهم إلى ما وراء البحار وأحرقت الآلاف منهم أحياء، حسب شهادات متطابقة لمؤرخين بينهم أسبان وأوروبيون وعرب.
يا لغرابة هذا المنطق اليميني المتشدد الأعوج، فمن الذي يجب أن يقدم الاعتذار ومن يجب أن يعبر عن امتنانه للآخر، وليعلم اثنار وغيره ممن أعمى التطرف عيونهم أن أحفاد الموريسكيين لم ينسوا تاريخهم، لا بل إنهم لا يزالون يتوارثون عقود ملكيات بيوتهم وأراضيهم وممتلكاتهم المنهوبة جيلا بعد آخر، في حين لا ينتظرون الشكر من أحد بل يأملون الاعتراف بهم كأسبان واسترجاع حقوقهم المشروعة على غرار ما حصل لليهود الذين طردوا من إسبانيا في الماضي لكنهم حظوا بالاعتراف بهم وبحقهم لا حقا وتم تقديم الاعتذار لهم.
عودة سرية لأحفاد الموريسكيين
ذلك الواقع المرير دفع باتجاه ظهور حالات عودة سرية لأحفاد الموريسكيين وسط تعالى أصوات المؤرخين التي تنادي بتعديل التاريخ الأسباني، الذي يعتبر المسلمين غزاة ومحتلين في حين يرفض أصحاب تلك الأفكار الشوفينية الكريهة أي محاولة للتقارب بين أبناء الجلدة الواحدة وينادون باستبعاد أي عملية مصالحة تاريخية بين الموريسكيين والأسبان، وقد أعلنت حكومة إقليم الأندلس، مؤخرا، أنها ستخصص احتفالات كبرى لمرور ألف سنة على تأسيس مملكة غرناطة.
وهو حدث سيصادف عام 2013 ولعل أبرز منعطف سياسي في ملف الموريسكيين هو قانون الحكم الذاتي الجديد الخاص بمنطقة الأندلس، الذي يحتوي على بنود تعترف بالحضارة الأندلسية بوصفها أحد مكونات الهوية الوطنية للمنطقة، ويجعل من السياسي بلاس إنفانتي الذي اغتيل سنة 1936 إبان بداية الحرب الأهلية الإسبانية الأب الروحي للوطن الأندلسي. إنفانتي سياسي كان قد اعتنق الإسلام ونادى بعودة الموريسكيين إلى أراضيهم.
الأحفاد يتذكرون الوطن على ضفتي المتوسط
في أجواء شبه صامته على ضفتي المتوسط الشمالية والجنوبية، الضفة المغربية التي استقبلت آلاف الموريسكيين على مدى 3 قرون من الزمن ولا يزال يعيش فيها نحو 4 ملايين نسمة من أصول أندلسية أو الضفة الاسبانية، تم أحياء الذكرى 400 لطرد المسلمين من الأندلس.
وقد تم في هذه المناسبة إصدار بيان وقعه الباحث والمؤرخ في التراث المغربي الأندلسي، علي الريسوني ويقول إن «انقضاء 400 سنة (9 أبريل 1609 ـ 9 أبريل 2009) على تلك المأساة الإنسانية البشعة، هي مناسبة للتذكير بتلك الجرائم التي تشيب لها الولدان.
ومناسبة لمخاطبة الرأي العام الوطني والدولي لاستحضار مشاهد البطش والإرهاب والهمجية والبربرية ضد تلك الفئة من الموريسكيين الذين طردوا من أرضهم وأرض آبائهم وأجدادهم ظلما وعدوانا».
وأضاف البيان الذي أصدره الباحث علي الريسوني أن الدولة الإسبانية «ملزمة حاليا بإعادة الاعتبار لكل أحفاد الأندلسيين، وتعويضهم معنويا وأدبيا عما لحق بأسلافهم»، مؤكدا أن «مأساة الأندلس ما زالت فصول مسرحيتها السوداء مستمرة بطريقة أو بأخرى»، كما الأذهان، طالب البيان بإنشاء معهد للثقافة الأندلسية في المغرب، على أن تكون مدينة شفشاون مقرا له، وهي المدينة الوحيدة في المغرب التي يعتبر كل سكانها من الأندلسيين.
وكان موريسكيو المغرب عقدوا أول مؤتمر لهم في شفشاون عام 2002، طالبوا فيه إسبانيا بالاعتذار عما لاقاه أجدادهم، ويتوزع الأندلسيون المغاربة على مناطق واسعة من البلاد، خصوصا في طنجة وتطوان وشفشاون في الشمال المغربي مرورا بالعاصمة الرباط وجارتها سلا أو مكناس ومراكش وفاس، إضافة إلى مناطق أخرى توزعوا فيها بعد نزوحهم، ولم يعد لهم فيها وجود قوي باستثناء ألقابهم العائلية، أو حتى ملامحهم التي تشي بأصولهم الإيبيرية.
في إسبانيا، كان الاهتمام بهذه الذكرى متواضعا كما هو متوقع،لأن إحياءها كما يجب يتعارض مع الرأي العام الإسباني الذي يجهل حتى ذلك الجزء المعتم من تاريخ بلاده وإن اعترف بعضا منه بالجريمة الكبرى التي ارتكبها أسلافه بحق أبناء جلدتهم من الموريسكيين، إلا أنه يبدو أن ثمة إجماعا بين الأسبان على عدم فتح هذا الملف في الوقت الحاضر.
علاوة عن أن بعض وسائل ألإعلام الإسبانية قد خصت هذه الذكرى الأليمة بمساحات لا بأس بها حملت المقالات التي نشرت فيها تواقيع عدد من أهم المثقفين الأسبان على غرار الكاتبة المستعربة خيما مارتن مونيوز رئيسة البيت العربي في مدريد، التي كتبت مقالة تحت عنوان« مطرودون من وطنهم» نشرتها صحيفةى « الباييس» واسعة الانتشار والكاتب مارغوت مولينا، الذي نشرت له الصحيفة عينها مقالة تحت عنوان « طرد الموريسكيين في 1609 كان قضية سياسية» والأديب خوان غويتيسولو، الذي نشر مقالة في صحيفة الباييس أيضا تحت عنوان «الموريسكيون، تاريخ مزعج» يقول فيها:
«إسبانيا الرسمية والأكاديمية تحول دون معالجة المئوية الرابعة لأحد الأحداث الأكثر فظاعة وشناعة في تاريخنا، طرد مئات الآلاف من المواطنين المسلمين عام 1609».. علاوة على هذا الجانب الإعلامي وعلى الرغم من أهميته القصوى إلا أن الحدث الأبرز الذي شهدته المئوية الرابعة لعله يتمثل في المؤتمر العالمي حول طرد الموريسكيين الذي احتضنته مدينة غرناطة بين 13 ـ 16 مايو الماضي تحت عنوان« الموريسكيون، تاريخ أقلية».
وشارك فيه أكثر من 80 باحثا من 12 بلدا، وعالج موضوعات على درجة كبيرة من الأهمية من نوع عمليات الإخلاء والتهجير الجماهيرية القسرية المتعاقبة التي أفرغت الأراضي الإسبانية من أكثر 275 ألفا من سكانها، ورثة ذلك الإسلام الإسباني المقيم على شبه الجزيرة الأيبيرية اعتبارا من عام 711.
كما أعلن عدد من دور النشر الإسبانية عن إصدار كتب جديدة تتحدث عن تاريخ الأقلية الموريسكية بعد سقوط الحكم الإسلامي في إسبانيا الذي استمر لأكثر من ثمانية قرون من الزمن. فلقد صدر عن دار «بريميرا» للنشر عدد من الكتب لمؤرخين وباحثين إسبان حول المأساة الموريسكية، بينهم المؤرخ فرانسيسك جيسبير، وإيبان ميرا، وهي كتب تتحدث عن مرور أربعة قرون من الزمن على آخر عملية طرد للموريسكيين.
اتفاقية مع الأسبان
قام أبو عبد الله آخر ملوك بني نصر في 25 نوفمبر 1491 بالتوقيع على اتفاقية مع الملوك الأسبان يتنازل فيها عن عرش مملكة غرناطة وعن جميع حقوقه فيها غير أنّه حاول انتزاع بعض الامتيازات لرعاياه من مسلمي الأندلس. ومن أبرز ما جاء في هذه الاتفاقية:
«أنّ للمُرُشْ أن يحتفظوا بدينهم وممتلكاتهم. أن يخضع المرش لمحاكمة قضاتهم حسب أحكام قانونهم وليس عليهم ارتداء علامات تشير لكونهم مرش كما هو حال عباءة اليهود. ليس عليهم دفع ضرائب للملكين المسيحيين تزيد على ما كانوا يدفعونه للمرش.
لهم أن يحتفظوا بجميع أسلحتهم ماعدا ذخائر البارود. يحترم كل مسيحي يصبح مرشا ولا يعامل كمرتد. أن الملكين لن يعينا عاملا إلى من كان يحترم المرش ويعاملهم بحب إن أخلّ في شيء فإنه يغير على الفور ويعاقب. للمرش حق التصرف في تربيتهم وتربية أبنائهم»
المصدر: وكالة انباء الرابطة

0 commentaires :

Publicar un comentario

Libros

__

Statistics

free counters

License

Licence Creative Commons Los Moriscos De Túnez de http://moriscostunez.blogspot.com est mis à disposition selon les termes de la licence Creative Commons Attribution - Pas d’Utilisation Commerciale 3.0 non transposé.

NB: Los trabajos son responsabilidad de los autores y su contenido no representa necesariamente la opinión de Los Moriscos De Túnez--- المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموريسكيون في تونس

Copyright © Los Moriscos De Túnez الموريسكيون في تونس | Powered by Blogger

Design by Anders Noren | Blogger Theme by NewBloggerThemes.com