- - -

29 abr. 2010

د. عبدالجليل التميمي: "العالم العربي الإسلامي لا يعرف من الأندلس إلا المطعم والأفرشة


العالم العربي الإسلامي لا يعرف من الأندلس إلا المطعم والأفرشة
د. عبدالجليل التميمي وجهاد فاضل وجها لوجه

• اكتشف المؤرخ الإسباني رافائيل دوليرا قارسيا، أن خمسة من أكبر قساوسة غرناطة، في أهم كنائسها (كان ذلك سنة 1728)، كانوا يمارسون الدين الإسلامي سراً • هناك تيار جديد في إسبانيا الآن وهو تيار قومي، يفخر أبناؤه بأنهم من أصول موريسكية أندلسية. وهناك الآن مسيحيون إسبان أسلموا، وهم يدافعون عن هذا الإرث الموريسكي • أين هم العرب المسلمون الذين يهتمون بهذا التراث؟ إنك لن تجد لسوء الحظ أحداً • يملك العالم العربي ناطحات سحاب كثيرة، ومراكز كثيرة في أوربا ويدعمون «هارفارد» وجامعات كثيرة وأنشأوا عشرات الكراسي، ولكن هذا العالم العربي لم يهتم بتاريخ الموريسكيين بل تناساه تماما.

يعيد هذا الحوار مع المؤرخ التونسي الدكتور عبد الجليل التميمي إلى الذاكرة صفحة حزينة من تاريخنا في الغرب الإسلامي، هي صفحة الأندلس في خاتمتها، أو صفحة الموريسكيين. والموريسكيون بحسب تعريف ليفي بروفنسال في الطبعة الأولى من «موسوعة الإسلام» «اسم يُطلق في إسبانيا على المسلمين الذين بقوا في البلاد بعد أن استولى الملكان الكاثوليكيان فرديناند وايزابيلا على غرناطة يوم 2 يناير عام 1492، بعد زوال حكم آخر أمراء بني نصر». وهي عبارة تقصّر عن جانب حيوي في معنى المصطلح. فمع أنها موضوعة في لغة مسبوكة، فإن من المفيد النظر في ما يورده «معجم الأكاديمية الملكية الإسبانية» في تعريف «الموريسكي»: التي «تطلق على العرب المسلمين الذين بقوا وتعمّدوا بعد استعادة إسبانيا». يذكر هذا التعريف ميزة الموريسكيين الأساسية، وهي أنهم تعمّدوا بوصفهم مسيحيين. وحتى هذا التعريف يجانب الإشارة إلى أن تعميد هؤلاء أي المسلمين لم يحدث استناداً إلى إرادة حرة من جانبهم. فلا غرابة أن تبقى أغلبية هؤلاء تمارس إسلامها، أو كما ورد في اتهام إحدى محاكم التفتيش: «لا يقلّون إسلاماً عن مسلمي الجزائر». ولكنهم كانوا مسلمين من نوع شديد الخصوصية: مسلمين سرّاً!

ولكن الإسلام ظل ينبض في قلوبهم حتى بعد أن اضطروا لاعتناق المسيحية في الظاهر، وحتى بعد أن اضطر بعض أبنائهم بسبب تخوفهم لدخول المدارس الدينية الكاثوليكية، واختيارهم قُسساً وأساقفة، يمارسون الطقوس المسيحية في العلن وينصرفون بعدها، وعندما يختلون إلى أنفسهم، في غرفهم المقفلة، لممارسة طقوسهم الإسلامية في السرّ. ويذكر الدكتور عبد الجليل التميمي في هذا الحوار، واستناداً إلى وثائق محاكم التفتيش، أن خمسة أساقفة موريسكيين من كبار أساقفة غرناطة، وبعد سقوطها بزمن طويل وبالتحديد بعد 119 سنة، قد أُحرقوا أحياء بسبب افتضاح أمرهم، باعتبارهم مسلمون سرّاً ومسيحيون في الظاهر!

تُعتبر الصفحة الموريسكية صفحة إنسانية بالغة المأساوية في التاريخ العربي وفي التاريخ الإنساني على السواء. شعب فُرض عليه الاقتلاع من أرض أقام عليها ثمانية قرون: من 92 هجرية «711 ميلادية» إلى عام 1609 ميلادية، وقد فُرض على ما بقي منه اعتناق دين آخر، وهذا مخالف للاتفاق الذي وقّعه الملكان الكاثوليكيان مع أبي عبد الله حاكم غرناطة، عقب سقوطها. ويمكن القول عند استخدامنا التعابير المتداولة في زماننا الراهن، إن التهجير القسري الذي تعرّض له الموريسكيون الأندلسيون، على يد السلطة الإسبانية، يعتبر أول تطهير عرقي في التاريخ الحديث لا يوازيه فظاعة إلا تطهير اليهود للفلسطينيين اليوم في أرضهم.

وفي الحوار يتحدث الأستاذ عبد الجليل التميمي، مؤسس ومدير «مؤسسة التميمي للبحث العلمي والمعلومات بتونس»، أن إسبانيا بشخص الملك خوان كارلوس، قدّمت اعتذاراً لليهود عما ألحقته بهم السلطات الإسبانية عقب سقوط غرناطة، في حين أنها رفضت، وترفض حتى الساعة، تقديم مثل هذا الاعتذار للعالم العربي والإسلامي جراء ما ألحق بالموريسكيين، أحفاد أولئك الأندلسيين الذين لولاهم، كما يقول إمريكو كاسترو، المؤرخ الإسباني الكبير، لم يتشكّل تاريخ إسبانيا المعاصرة على النحو الذي تشكّل عليه.

• لكن متى بدأ اهتمام د. التميمي بالموريسكيين؟ كان هذا هو مدخلي للحوار معه وقد أجابني قائلاً:

- الحقيقة أن اهتمامي بالتاريخ الموريسكي يرجع إلى أكثر من أربعين سنة عندما كنتُ أشتغل في أرشيف رئاسة الوزراء العثمانية سنة 1966 وكنتُ أوّل عربي يصل إلى الوثائق العثمانية يومذاك، لإجراء تحريّاتي الأرشيفية لإعداد رسالة الدكتوراه عن تاريخ الجزائر، وقد عثرت على عدد من الوثائق المهمة، والتي أثارت ملف الموريسكيين في العهد العثماني، وهذه الوثائق عبارة عن رسائل وجّهت من أهل غرناطة إلى السلطان سليمان القانوني، وأيضاً رسائل وجّهت من الباب العالي إلى دوج البندقية «أي الملك في ذلك الوقت»، وإلى الملكة كاثرين دي ميديسيس التي كانت ولية العهد بفرنسا. وقد اكتشفتُ مدى أهمية هذه الوثائق العثمانية. وعندئذ رجعتُ إلى ملف التاريخ الموريسكي يتأكد لي أن كل المؤرخين مجمعون على أن هذا التاريخ كُتب أساساً انطلاقاً من الوثائق الإسبانية، أي من محاكم التفتيش التي تعدّ عدوّة لدودة للموريسكيين الأندلسيين. وكل المؤرخين يؤكدون أن الذي ينقص هذا التاريخ هو معطيات الوثائق التركية والوثائق العربية. ومن هذا المنطلق اكتشفت مدى قيمة هذه الوثائق التي اشتغلت عليها جيداً، ونشرتُ مجموعة من الدراسات حولها. وبطريق الصدفة، كتب أحد الباحثين الدوليين، وهو لوي كارداياك، رسالة دكتوراه عن تاريخ الموريسكيين، حول المجابهة الجدلية بين الموريسكيين والمسيحيين في الأندلس. وقرأت هذه الرسالة وأُعجبت بها وترجمتها من الفرنسية إلى العربية، ونشرتها.
وفي حديثي مع لوي كاردياك وهذا جانب جديد ومهم، أحاطني علما بأنه : سيعقد مؤتمراً أول عن تاريخ الموريسكيين الأندلسيين في جامعة مونبلييه في أواخر 1981، وكان هو عضواً في هذه الجامعة. وقد حضرت هذا المؤتمر، كما حضره بعض الباحثين العرب، لكن أكثرهم كان من الإسبان والأمريكان. وما فوجئت به في هذا المؤتمر هو تحليلات ورؤى علماء ومؤرخين غربيين، غير مسلمين، تنقصهم الرؤيا السليمة والموضوعية والنزيهة. وعلى ضوء ذلك أعلنت لهم : أنا أدعوكم أنتم المتخصصين بالتاريخ الموريسكي الإسلامي للحضور إلى تونس، وسنعقد فيها المؤتمر الثاني للدراسات الموريسكية. وبالفعل عقدنا المؤتمر الثاني في تونس على أساس أنها تمثّل الفضاء العربي لهذا الموضوع، وأن هؤلاء العلماء قد اشتغلوا في جامعاتهم ومكتباتهم ومراكزهم، ولم يتصلوا ويتعرفوا على خصوصيات الفضاء العربي المكاني. ولم يزوروا الجوامع والأحياء. من هنا نشأ اهتمامي بتاريخ الموريسكيين الأندلسيين، وتم هذا المؤتمر الدولي في عام 1983، عام انطلاق هذه المؤتمرات إلى اليوم وتواصلت بانتظام كل سنتين إلى الآن. وعقدنا المؤتمر الثالث عشر حول الذكرى المائوية الخامسة لطرد الموريسكيين من أندلسهم 1609-2009 في شهر ماي 2009.

واهتمامي بهذا الموضوع يترجم عن تضافر كثير من المعطيات لكي نجعل منه علماً قائما بذاته أطلقنا عليه الموريسكولوجية لأنه يتناول مائة وعشرين سنة قبل الطرد. وبعد الطرد تناول هذا الوجود العربي الإسلامي في الأندلس.

• وهل تجد فرقاً بين الرواية الإسبانية للتاريخ الموريسكي والروايات الأخرى، وبخاصة رواية العرب والمسلمين؟ وكيف تروي وجهة النظر العربية والإسلامية؟

- الذي فوجئت به في مؤتمر مونبلييه، أن أحد الباحثين الكبار ذكر في محاضرة له أن مستندات دواوين التحقيق ومحاكم التفتيش لا تفيد بأن الموريسكيين قد أُحرقوا أحياء. مؤكدا : «لقد قُتلوا، وبعد ذلك تم إحراقهم». بينما الأدلة والوثائق والشواهد تؤكد على أنهم أُحرقوا أحياءً! هذه ظاهرة من الظواهر البائسة وغير النزيهة، وهذا الموضوع حسّاس بالنسبة للضمير الإسباني، ومأساة الموريسكيين مأساة فظيعة، وهي فاجعة من أكبر فواجع البشرية على الأرض, لا تعادلها إلا مأساة الشعب الفلسطيني اليوم، لكن هذا الشعب العربي المسلم الذي بقي ثمانية قرون على أرض شبه الجزيرة الإيبيرية، وطبع تاريخ إسبانيا بطابعه الإسباني وتراثه الفكري والمعماري ذي البعد العالمي، مازال باقياً إلى اليوم، ويجذب خمسين مليون سائح كل سنة للاطلاع عليه. هذا الإرث الحضاري قضى عليه التعصّب وعدم التسامح، والزج بإسبانيا في الكثلكة المتغلغلة وغير المتفتحة، والعمل للقضاء على ما هو غير كاثوليكي، وكل هذا يعتبر من أكثر مظاهر عدم التسامح في التاريخ.

لقد قضى التعصب على أمة ذات طابع تعددي، على الرغم من أن أبا عبد الله، آخر ملك على غرناطة، وافق على أن يسلّم لهم المدينة بشرط أن يحترموا للعرب دينهم ولغتهم وتراثهم. ولكن بعد سنتين أو ثلاث، تنكّروا لكل هذه الوعود، وفرضوا على الموريسكيين إما التعميد قسراً، وإما المغادرة. وهنا تأتي مأساة الموريسكيين حيث مُنعوا من التكلم بالعربية والتردد على الجوامع، ومُنعوا من ارتداء اللباس الأبيض يوم الجمعة وسواها من المؤشرات (وهي أكثر من خمسين مؤشراً) التي تدل عليهم. واستولوا على كل أملاكهم الشخصية، أملاك الأحباس التي عززت قوة الدولة المالية الاسبانية. ثم هناك ملايين الهكتارات قد صُفّيت، وطُعن الموريسكيون في أبسط مظاهر إنسانيتهم وحضارتهم العربية الإسلامية، وقد التجأوا إلى الثورات طوال القرن السادس عشر، وأهمها ثورة البشرات (عام 1568) حيث واجهوا الإسبان خلال سنتين حتى جاء أحد كبار العسكريين الإسبان وهو خوان دتريش أخ الملك غير الشرعي وقضى عليهم، وفرض على الغرناطيين أن يُهجّروا نهائياً من غرناطة، وهذه مأساة أخرى. مأساة الهجرة من المدن الإسبانية إلى مواقع أخرى، ساهم ذلك في القضاء على كل المميزات الحضارية والمهنية لهؤلاء الموريسكيين. مثل الصنائع وفنون الفلاحة وتم القضاء على أكثر من مائتي مدينة موريسكية كانت مزدهرة قضاء تاماً إلى درجة أن أحد الخبراء الاقتصاديين الإسبان قال إن الاقتصاد الإسباني أصيب بنكسة بعد ترحيلهم قسراً إلى الخارج.

كان الموريسكيون خبراء في الذهب والفضة والصناعات والفلاحة وري الأراضي، خبراء في أمور كثيرة منها التجارة. وقد زاد الطين بلة، ورود المال من أمريكا اللاتينية، بعد استيلاء الأسبان على أمريكا اللاتينية, وهذا حجم المبادرات الموريسكية الاقتصادية.

لقد كان مسار الموريسكيين مساراً مفجعاً، قاتماً، إلى درجة أن الابن أصبح يشي بأبيه. وفي العائلة تجد مَن يشي بأقربائه إلى محاكم التفتيش. وأن أي شخص يجدون لديه أثراً عربياً كان يُحاكم. ولهذا صُفّي التراث العربي الإسلامي وأُحرقت آلاف المخطوطات في الساحات العمومية. وقد أخفى الموريسكيون تراثهم الفكري في جدران بيوتهم، وقد اكتُشف بعضها في أواخر القرن التاسع عشر للعثور على مئات المخطوطات !

كل هذا يدل على المأساة التي تعرّض لها الموريسكيون. وقد عرضنا لكل هذا في المؤتمرات الثلاثة عشر التي نظمناها بانتظام. وهدفنا هو أن نتتبع بدقة ذبذبات هذه الفجيعة إلى النهاية. وقد اكتشفنا أشياء رهيبة ونشرنا أكثر من ستمائة دراسة (600) حول أدبهم وتاريخهم، وحول محاكم التفتيش، وحول المحارق التي تعرّضوا لها. كما اكتشفنا - مثلاً - أن المرأة الموريسكية كانت قائدة، وزعيمة في مسيرتهم، ولم تكن وظيفة المرأة الموريسكية تقتصر على تربية أطفالها ورعاية أسرتها, بل على العكس، كانت - مثلاً - محاسبة ومسؤولة مالية وفقيهة. وكانت مهتمة بالحفاظ على الهوية وعلى الدين وعلى اللغة، وكانت قبل كل شيء مُقاومة. إذ كثير من النساء قطعن ألسنتهن حتى لا يشين بأبنائهن وأزواجهن وأقاربهن.
هذا الموضوع رهيب جداً أمام صمت العالم العربي الإسلامي الذي لا يعرف من الأندلس إلا مطعم الأندلس والأفرشة الأندلسية، بينما المسيرة الفاجعة لهؤلاء الموريسكيين لا يعرف عنها العرب المسلمون شيئاً على الاطلاق. وأنا أدين هذا الموقف السلبي البائس عندما لا نرى الشعوب العربية ولا الإسلامية تنادي بالاعتراف بما حصل لهؤلاء الموريسكيين وبالاعتذار لهم ولو متأخراً.

• ولكن الموريسكيين الذين فرض عليهم الإسبان اعتناق النصرانية ظل إسلامهم حياً في قلوبهم، واستمروا يمارسون شعائرهم الدينية سراً، إلى أن اكتشف الإسبان ذلك ولجأوا إلى طردهم. كم كان عدد الذين اضطروا لترك الأندلس؟ - هناك دراسة قام بها رافائيل، وهو مؤرخ إسباني بارز. أرسل إليّ هذا الأستاذ دراستهَ وطلب مني ترجمتها إلى العربية. الدراسة علمية تعود إلى الوثائق التاريخية. عندما اطلعت عليها بكيت فعلاً. المعروف أن الموريسكيين أطردوا عام 1609، ولكن بقي كثيرون منهم يعيشون في الأندلس بطريقة أو بأخرى. يقال إن عدد الذين طُردوا كان بحدود المليون نسمة. وهناك مَن يتحدث عن نصف هذا العدد، أو عن ثلاثمائة ألف، أما المؤرخ الفرنسي هنري لابير، فكتب عن جغرافية الموريسكيين، وذكر أن عدد الذين طُردوا كان في حدود 275.000 بالضبط. وقد لجأ أكثرهم إلى المغرب وتونس والجزائر، وجاء قسم منهم إلى استانبول. لكن بقي في إسبانيا قسم كبير منهم لأسباب عائلية ومهنية.

وقد تنصروا ظاهريا، ولكنهم ظلوا يمارسون إسلامهم سرا. وقد اكتشف المؤرخ الإسباني رافائيل، أن خمسة من أكبر قساوسة غرناطة، في أهم كنائسها (كان ذلك سنة 1728)، يمارسون الدين الإسلامي سرا، وقد حاكموهم وأحرقوهم أحياء في داخل كنائسهم! وهذه الدراسة التي ترجمتها ونشرتها في كتابي الجديد: «دراسات جديدة حول الموريسكيين الأندلسيين» وكلما أعدت قراءتها من جديد أتألم. هذا نوع من التراجيديا الإنسانية التي لم يعرف التاريخ مثيلا لها.

أكثر من هذا، عندما هُجّر هؤلاء الموريسكيون من إسبانيا سنة 1609 استولى الإسبان على أملاكهم، وعلى تراثهم كله، وتركوهم في قرى خالية، مات جلهم، والبعض الآخر لجأ إلى تونس، التي استقبلت أكثر من مائة ألف موريسكي تأمل العدد، واستمروا يمارسون مهنهم ويتكلمون الإسبانية. ولجأ إلى الجزائر حوالي 25 ألفا، وإلى المغرب حوالي خمسين ألفا. لكن أكثر الهجرة كانت إلى تونس، وإلى ليفورنا بإيطاليا اليوم ثم إلى الباب العالي وبالأناضول تحديدا, كما عثرنا على بقاياهم بالهند وتمبكتو وفي العديد من المدن الأوربية. والموريسكيون كانوا في الحقيقة عنصر تمدين وحضارة, نقلوا تراثهم الفكري والصناعي إلى شمال إفريقيا، وكانوا رواد حداثة بالمعنى العالي للكلمة. تأثيرات الموريسكيين كانت عميقة وعديدة على جميع المستويات.

• وهل كان هؤلاء الموريسكيون الذين هُجّروا جميعاً من العرب؟ ألا يحتمل أن يكون بعضهم من الإسبان الذين اعتنقوا الإسلام؟ إذا صح هذا الاحتمال، فهذا يعني أنهم أدينوا بسبب إسلامهم لا بسبب عروبتهم، دون أن يشفع لهم أصلهم الإسباني؟

- في ذلك الوقت لا شك أن أكثر هؤلاء الموريسكيين كانوا من أصول مغاربية عربا وبرابرة. وخلال القرن الثامن عشر، والقرن التاسع عشر، وجدت في بيوتهم وثائق باللغة العربية. وهذا دليل دلالة قاطعة على أنهم من أصول موريسكية، وهناك تيار جديد في إسبانيا الآن وهو تيار قومي، يفخر أبناؤه بأنهم من أصول موريسكية أندلسية، وضم مسيحيين إسبانا أسلموا، وهم يدافعون عن هذا الإرث الموريسكي. وهم يحتفلون على طريقتهم بسقوط غرناطة في 5 يناير 1492. أي كل 5 يناير من كل عام، تجد أندلسيين كثيرين من أبناء إسبانيا اليوم يفكرون بهذه المناسبة. أين هم العرب المسلمون الذين يهتمون بهذا التراث ويقيمون الذكرى تلو الذكرى من حين لآخر ؟ إنك لن تجد أحداً لسوء الحظ يذكر بذلك وعلى جميع المستويات الرسمية أو الجامعية أو حتى مؤسسات المجتمع المدني وهذا هو الجحود بعينه يا أمة العرب والمسلمين !

في أواخر عام 1991، أي قبل دخول عام 1992 بشهر، نظمنا بهذه المناسبة مؤتمرا دوليا بمناسبة مرور 500 سنة على سقوط غرناطة، وكانت الأخبار يومها تأتينا من كل جانب على أساس أن الملك الإسباني خوان كارلوس سوف يدلي بخطاب علني يوم 31 مارس 1992، ذكرى طرد اليهود من الأندلس وهو يتهيأ لإلقاء خطاب ليعتذر لليهود. وفي المؤتمر الذي عقدناه بتونس كان السفير الإسباني بتونس حاضرا وهناك أكثر من مائة عالم أجنبي، وقد توجهت بكلمات إلى الملك الإسباني: لقد سمعنا يا جلالة الملك أنكم ستعلنون الاعتذار عن طرد اليهود. هذا شيء جيد. ولكن تذكروا، يا جلالة الملك، أن العرب المسلمين ينتظرون مثل هذا الاعتذار منهم أيضا!

نحن لا نريد لا مكافآت، ولا تعويضات (على الرغم من أنهم في إسبانيا جمعوا تبرعات لتعويض اليهود "السفاريد" الذين هُجّروا إلى تركيا، وهم مازالوا يتحدثون اللغة القشتيلية إلى الآن)، نحن نطلب اعتذارا، وهو موقف حضاري، كنا ننتظر شيئا من ذلك. ولكن جاء خطاب الملك يعتذر فقط لليهود، وليمنحهم من جديد الجنسية الإسبانية، ثم ذهب بعد ذلك إلى معبد يهودي بمدريد ووضع قلنسوتهم. وأعلن عن اعتذار واضح لليهود. لم يذكر شيئا عن المسلمين. وعلى إثر ذلك وجهت رسالة إلى الملك. قلت فيها: نحن نشكرك أولا على هذا الموقف النبيل الذي وقفته من اليهود، موقف الاعتذار. إنه موقف يعبر عن إسبانيا الجديدة، ولكننا، نحن العرب والمسلمين، ننتظر من جلالتكم أن تقوموا بمبادرة مماثلة بالنسبة للعالم العربي الإسلامي، لتعتذروا عن تهجير الموريسكيين الذين هجرتهم إسبانيا بكل فضاعة وقسوة بالغتين، ويومها كان السيد إنجيل موراتينوس الذي هو الآن وزير الخارجية الإسبانية، وكان مدير دائرة العالم العربي في الخارجية الإسبانية، فقد دعاني ذاكرا لي: أخبرك بأن الملك وافق على لقاء يعقد في جامع قرطبة، وأنه في هذا اللقاء سيلقي خطابا. وقد سعدنا طبعا بذلك. كنا أربعة من العالم العربي: د. محمود علي مكي من مصر، والشاعر محمود درويش من فلسطين، ود. محمد بن شريفة من المغرب، وأنا من تونس. أربعة من العرب فقط، وحضر ما لا يقل عن مائة مستعرب إسباني. لقد خطب الملك, وزاد خطابه من ألمي, عندما أكد: «إن الدولة الإسبانية يومها هي التي رأت ذلك». إذن لم يعتذر مطلقا، ولم يقل شيئا عن مأساة الموريسكيين وهذا اللقاء هو عبارة عن نوع من التغطية الإعلامية لا غير, لقد كان الملك يدافع ويبرر: «سيادة الدولة وهيمنتها» وما إلى ذلك.
وعلى ضوء ذلك أرسلت رسالة أخرى إلى الملك عبّرت فيها عن خيبة أملي. إذا كان العالم العربي - الإسلامي ينتظر الإعلان عن الاعتذار، وأنا كمؤرخ درس هذه الفترة وعرف جيدا ما حصل، من حقه كباحث واع لهذا التراث، أن يطالب بهذا الاعتذار في غياب المطالبة العربية والإسلامية بذلك. والحقيقة كانت علاقتي بالسيد موراتينوس علاقة جيدة وطيبة بادئ الأمر، ولكنه أرسل إليّ فيما بعد برسالة غير لائقة على الإطلاق. كان في رسالته نوع من التهديد وقد تضمنت كلاما من نوع: من أنت حتى تخاطب الملك بهذه اللهجة؟
وقد نشرت رسالة السيد موراتينوس كما نشرت رسالتي إلى الملك. والنتيجة بعد كل ذلك هي فقدان موقف جماعي للعالم العربي أمام هذا الحدث. وعلى الرغم من أن العالم العربي يكنّ التقدير لإسبانيا، وعلى الرغم من أن العالم العربي منح لإسبانيا، تراثا معماريا خالدا، ساهم في السياحة الإسبانية، إلا أن إسبانيا لم تلتفت إلى كل ذلك. وكان موقفها هذا غير مبرر، وغير إنساني، إن لم يكن موقفا عنصريا شوفينيا لا أكثر ولا أقل!

• طبعا نحن كعرب مسؤولين عن عدم انتزاع مثل هذا الاعتذار الذي تتحدث عنه من الإسبان. ولكن في الضمير الإسباني أزمة غير قابلة للشفاء بصدد هذه الصفحة السوداء في التاريخ، كثيرا ما يجري التعبيرعنها بأسلوب أو بآخر. أحيانا يحاول الإسبان التعتيم على تلك الصفحة، أو المرور عليها سريعا، أو تبريرها، أو التخفيف من بشاعة ما فعله أجدادهم، أو التنصل والتهرب وصولاً إلى عدم الاعتراف لأن للاعتراف لها نتائج كثيرة على سمعة إسبانيا وعلى تاريخها في آن. إلا أن كل ذلك لا يحجب قبح ما حصل بالنسبة لطرد الموريسكيين. لقد كان ما فعلوه مع الموريسكيين أول عملية تطهير عرقي في التاريخ الإنساني الحديث؟!

- ما تقوله هو الصحيح، والدليل على ذلك أن الإسبان كان بيدهم مقود الدراسات الموريسكية الأندلسية، يكتبون ما يشاؤون وما يحلو لهم. العرب تقريبا غائبون، هناك مائتان وخمسون مؤرخ إسباني وأمريكي وفرنسي مهتمون اليوم بالدراسات الموريسكية. عدد العرب قليل جدا وهم في حدود العشرين متخصصا لا غير. الإسبان مسيطرون على هذا المبحث التاريخي. وعندما بدأنا المؤتمر الثاني في عام 1983، بحضور ومشاركة عدد كبير من المهتمين، توخينا أسلوبا ومنهجية جديدين. نحن لسنا ضد إسبانبا بل بالعكس. نحن نحترم إسبانيا لأن لدينا إرثا حضاريا مشتركا معها. ثمة شراكة حضارية عبر التاريخ بين العرب والإسبان. لا أريد أن أصل إلى حد القول إن النهضة الغربية المعاصرة قد استمدت بعض عناصرها الفاعلة من المنابع الفكرية الأندلسية، إذ آلاف المخطوطات المترجمة من العربية إلى لغاتهم، وفي كل مجال معرفي، وكانت أساس نهضتهم. لست أنا الذي يقول ذلك، بل الأوربيون أنفسهم. ابن رشد مجرد مثال من ألف مثال. وفي كل مجال: في العقلنة، في العلوم، في الحساب والمنطق وفي مجال الإبداعات. كل هذا يدل على تراث مشترك بيننا وبينهم. طبعا ساهم الإسبان في التراث الأندلسي، ولكنه كان تراثا عربيا قبل كل شيء. إن التنكر لهذا التراث من قبل الإسبان أو الغربيين لهو فعلا فجيعة. والفجيعة تتمثل أيضا في عدم الاعتذار أمام التاريخ لما فعلوه بالموريسكيين الأندلسيين.

أعطيك مثالا على الحقد الذي لا يفارق صدور بعضهم إلى اليوم. في 3 أكتوبر من عام 1571 وقعت أهم معركة بحرية بين العثمانيين من جهة، وبين إسبانيا ودوج البندقية والبابوية، في هذه المعركة التي تعرف بـ Lépante دمّر هؤلاء الأسطول العثماني، ولم يبق منه إلا الربع. وكان ذلك أول انتصار بحري للغرب ضد العثمانيين. وإلى اليوم مازالوا يحتفلون في إسبانيا بهذا الانتصار وتدق بعض الكنائس الأجراس احتفاء بهذا الانتصار على المسلمين وهذا ينقل لك صورة عن عقلية لا تزال سائدة. والشاعر القديم يقول:
قد ينبت المرعى على دمن الثرى وتبقى حزازات الصدور كما هيا
إذن هذا الموضوع يزعج الإسبان، ومع هذا فإن هناك اسبانيين ذوي ملامح إنسانية يرفضون هذه المواقف ولو كانوا قلة.

• من هؤلاء الإسبان المؤرخ أميركو كاسترو الذي يقول في كتابه الضخم عن تاريخ إسبانيا، إنه لم يكن من الممكن أن يتشكل التاريخ الإسباني، والأمة الإسبانية المعاصرة على النحو الذي تشكلا عليه، لولا الحقبة العربية الإسلامية ويشرح ذلك في كتابه، وهناك المستعرب الإسباني الكبير كوديرا الذي كان يدعو - في بدايات القرن العشرين - أوربا إلى العودة إلى الروح العربية، بل إلى الإسلام نفسه. ألا تعتقد دكتور أن الموريسكية أو الأندلسية يمكن أن تشكل قاسما مشتركا للمصالحة بين الروح العربية والروح الإسبانية، وبداية لنشيد جديد بيننا وبين الإسبان على الخصوص؟

- ليس على أساس علم الموريسكولوجي. الموريسكولوجية مبحث دقيق وخطير جدا بالنسبة لإسبانيا. نعم. لا أتصوّر الموريسكولوجية في يوم من الأيام ستكون محكاً للتعايش أو للتحاور. المحك الحقيقي هو العطاء الذي أتى به عبد الرحمن الداخل مثلا، وملوك الطوائف، وهذا الجانب الإيجابي ، ويمكن توظيف ذلك أساسا لإيجاد نشيد جديد للتسامح، وعقلاء الإسبان يدركون ذلك. لا أعتقد أن علم الموريسكيولوجية ، مبحث لا يحبه الإسبان إطلاقا، وهو واجب علينا أن ندرسه، أن نبيّن للعالم العربي الإسلامي كل ذلك ونقول للجميع : انتبهوا يا أمة العرب والمسلمين سينتظركم «أندلسيات» جديدة إذا لم تدركوا ما حصل للموريسكيين الأندلسيين! لقد كتب الإسبان كثيرا عن الموريسكيين، ولكن هناك جوانب سلبية في كتاباتهم. وأنا أتمنى على السينمائيين العرب أن ينغمسوا يوما في هذه المأساة وينقلوها إلى العالم للخروج بدروس، بموعظة. نحن لا نعرف الكثير عن مأساة الأندلس.لا نعرف غير ما قاله ابن الرندي. كما أنوه هنا بمبادرة الشيخ د. سلطان القاسمي الذي أعد تمثيلية مهمة تحت عنوان "القضية" وتم بثها تلفزيا.

وهناك ملايين الوثائق عن مأساة الموريسكيين لم يقرأها أحد منا حتى الآن. هناك مئات الملفات عن محاكم التفتيش لأناس أجبروا على التجديف طوال حياتهم وماتوا شرّ ميتة. ليعلم العالم العربي الإسلامي أن عليه دينا تجاه أولئك الناس. لا نفتخر فقط بالحضارة العربية الإسلامية في الأندلس في عصرها الذهبي، لكن أيضا علينا واجب أن نهتمّ بمصير أحفاد الذين صنعوا هذه الحضارة.

• وهل اطلعت على نماذج مما كتبه الموريسكيون أنفسهم عن مأساتهم وعن قضيتهم؟

- اطلعت طبعا، لدي بحث نشر حديثا حول هذا الموضوع. عثرت على مخطوطتين لأواخر الموريسكيين في 1588 ميلادية، وهؤلاء ينقلون أدبهم باللغة القشتالية وبحرف عربي. نقلوا مأساتهم وما تحملوه من ضيم أمام محاكم التفتيش. ومن هذا الأدب الذي نقلوه، عندنا الآن منه ما لا يقل عن ثلاثمائة مخطوطة تسمّى «الأدب الألخمادو»، أي الأدب الأعجمي الذي لا يفهمه إلا من عرف اللغة القشتالية وهو مكتوب بالأحرف العربية. ولكن الأغرب من هذا أني زرت مرة جامعة بورتوريكو، واكتشفت وجود أكبر مختبر للأدب الألخميادو تديره العالمة لوثي لوباث بارلت التي عشقت الأدب الموريسكي ونشرت حوالي 20 كتابا, آخرها كتابها المرجع الجديد والمنشور سنة 2009 حول الأدب السري للموريسكيين وهو لعمري شهادة رائعة ودقيقة حيث استوجب علينا كعرب نقله إلى العربية. وهناك 22 أو24 باحثا مختصا في الأدب الموريسكي، وقد نشروا أشياء كثيرة، من هؤلاء الموريسكيين اسمه سالفرتو أريفولو، هذا شخص تحدث بإفاضة عن مأساة الموريسكيين، وأبرزهم ماريا نارفييز من جامعة بورتو ريكو...
ثم أنه عثر على بعض المخطوطات الموريسكية في تركيا، وفي جامعة أيكس اون بروفانس، في مكتبة ميجان، بفرنسا.
ولكن وعلى الرغم من ذلك، مازالت معلوماتنا حول الموضوع ضعيفة جدا، على الرغم من أننا نشرنا أكثر من 600 دراسة أكاديمية حوله. فإني أنادي الآن، مع أنني ناديت كثيرا بضرورة إنشاء مركز للدراسات والترجمة الموريسكية الأندلسية. أن يملك العالم العربي لديه ناطحات سحاب كثيرة وهناك المئات من المليارات العرب الذين أنشأوا، ومراكز كثيرة في أوربا ويدعمون جامعة «هارفارد» وجامعات أخرى عديدة عبر العالم، ولكن العالم العربي لم يهتم بتاريخه كما يجب, وهو أمر مخجل حقا.

وبالإضافة إلى كل ذلك توجد مئات الرسائل الجامعية باللغات الإسبانية، والفرنسية، والإنجليزية حول الموريسكيين، لم تُنقل بعد إلى العربية. وهناك متخصصون وباحثون لهم سمعة دولية كتبوا عن الموريسكيين دون أن ينقل شيء من نتاجهم إلى العربية، إنها مأساة عصية على النسيان وهذا ما يترجم عن أن العرب والمسلمين قيادات ونخبا ومجتمع مدني وإسلامي لم يستوعبوا أو وجب القول لم يحيطوا علما بحيثيات هذا الملف الدقيق والخطير جدا للقيام ببعض ما يستوجب عليهم القيام به, وتلك هي الرسالة الحضارية التي نعمل منذ 40 سنة لإبلاغها إلى الجميع, وما توفيقي إلا بالله.

_______________________
______________________
المصدر: مجلة العربي_أفريل 2010

2 comentarios :

  1. نحن الجيل الجديد نعلم بكلمة موغسك لكن نجهل معناه هذه الحقبة من التاريخ لأنه ليس هناك من مترجم من اللغة التركية للحقبة العثمانيةلللغة العربية نشكر الدكتور تميمي الذي تعرفة عليه من خلال قناة نسمة

    ResponderEliminar
  2. جزاك الله خيرا،، حقا حقبة تاريخية مهمة جدا لم نكن نعلم عنها الا اليسير،، استمر وبإذن الله سيظهر جيل واع يقدم ما يخدم هذه القضية المهمة والخطوة من التاريخ الاسلامي بالأندلس

    ResponderEliminar

Libros

__

Statistics

free counters

License

Licence Creative Commons Los Moriscos De Túnez de http://moriscostunez.blogspot.com est mis à disposition selon les termes de la licence Creative Commons Attribution - Pas d’Utilisation Commerciale 3.0 non transposé.

NB: Los trabajos son responsabilidad de los autores y su contenido no representa necesariamente la opinión de Los Moriscos De Túnez--- المواد المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموريسكيون في تونس

Copyright © Los Moriscos De Túnez الموريسكيون في تونس | Powered by Blogger

Design by Anders Noren | Blogger Theme by NewBloggerThemes.com